#adsense

من شارع داني كميل شمعون الى مدينة كميل شمعون الرياضية؟

حجم الخط

من شارع داني كميل شمعون الى مدينة كميل شمعون الرياضية؟

تابعت بالأمس خبر اطلاق اسم الشهيد داني شمعون على شارع في سن الفيل، وقد عادت بي الذاكرة الى جبران تويني الذي شارك داني المرحلة الاخيرة من عمره ونضالاته، فاستشهد الاول في 21 تشرين الاول بعد سقوط الجنرال ميشال عون ولجوئه الى دار السفارة الفرنسية، في حين امضى جبران مدة قصيرة متحصنا في منزله في بيت مري محوطا بالبقية الباقية من الاصدقاء الخلّص الذين تركوا عائلاتهم وما تركوا جبران في احلك الظروف واصعبها امنيا وسياسيا ومعيشيا. بعدها جرى اخراج جبران بسعي مشترك من ميشال المر ومروان حماده اللذين خشيا ألا يختلف مصير جبران، لو بقي في لبنان، عن مصير داني شمعون. وفهم جبران الرسالة يوم "زاره"، وفق ما قال جبران مرات عدة، قاتل داني ومعه مجموعة مسلحة كانت تتحرك بحرية تامة على الارض متنكرة بلباس جنود في الجيش اللبناني.

وبدأت رحلة جبران الى المنفى في فرنسا نهاية 1990 لتدوم اكثر من ثلاث سنوات. واذكر، كما يذكر الاصدقاء، ان جبران حمل الى منفاه الباريسي القليل من المتاع، لكنه ابى إلا ان يحمل في حقيبة السفر صورتين واحدة ملونة لداني شمعون، واخرى بالابيض والاسود له مع داني واقفين امام مدخل قصر بعبدا في عهد الحكومة العسكرية برئاسة ميشال عون. وقد حطت الصورتان في باريس في صدر بيت جبران، ثم تنقلتا معه من مكان الى آخر، لتعودا الى بيروت بنسخ عدة، واحدة في المنزل، وأخرى في المكتب، وثالثة في بيت باريس. وذات مرة سألته لماذا تراه يحمل معه صور داني اينما حل؟ فأجابني: "بموت داني مات جزء عزيز من حلمي الذي حملناه معا، مات داني وبقيت انا، وكان يمكن ان اوافيه في الممات لولا ان الله اراد لي ان اكمل المسار. داني كان اخاً لي ومات الاخ. فهل يموت اخ من دون ان يموت في المرء شيء منه؟". وظلت صورة داني شمعون تتصدر كل الامكنة التي حط فيها جبران تويني، تماما مثل صورة قديمة بالأبيض والأسود ايضا جمعته مع بشير الجميل قبل ايام من اغتيال الاخير!

لماذا هذه المقدمة الحاملة ذكريات لجبران؟ لأنه في حمأة المعركة ضد التمديد التي كانت عمليا معركة لتحرير لبنان من الوصاية السورية، جمعت للمرة الاولى منذ الاستقلال الاول مسيحيين ومسلمين في موقع تحريري واحد. كان اجتماع البطريرك صفير واركان "لقاء قرنة شهوان" بالرئيس الحريري، وبالنائب وليد جنبلاط، هذا الثلاثي الذي حمل وزر المعركة هنا على الارض. وقد دل حجم رد الفعل السوري على هذا الحلف الاستقلالي على حقيقة قوته واهميته تاريخيا. فكانت التهديدات للحريري، والتضييق على جنبلاط، والتهويل على البطريرك. وكانت محاولة اغتيال مروان حماده في الاول من تشرين الاول 2004 رسالة دموية تحذيرية للثنائي المسلم الحريري – جنبلاط، لم يذعنا لها، ولم يذعن البطريرك بدوره للتهويل فتطور عمل التحالف عبر لقاءات البريستول للمعارضة المتنوعة، وصولا الى الرابع عشر من آذار 2005!

في صيف 2004 وقبل فرض التمديد، كان التنسيق بين القوى المجاهرة بمعارضة السوريين والنظام المخابراتي المحلي من جهة والرئيس الحريري يأخذ مداه محوطا بسرية تامة. وكان جبران تويني من ضمن الشخصيات التي كان الحريري ينسّق معها بعيدا من الاضواء. واني اليوم اشهد للتاريخ ان مشروع اعادة تمثال الشهداء من المكان الذي كان اودع فيه مفككا (الكسليك) الى ساحة الشهداء، انما خرج من بين يدي الرئيس الحريري. وجبران تويني جاء بالفكرة في سياق العمل على اعادة تظهير الرموز الاستقلالية تحفيزا للوعي الاستقلالي في البلد في اطار المعركة الاستقلالية المقبلة. وقد قام الرئيس الحريري بالتنفيذ الفوري، الامر الذي أغضب المخابرات السورية والرئيس اميل لحود وفريقه الامني، فجرى التصدي لمبادرة الحريري بتكليف الجيش مصادرة التمثال عند ساحة الشهداء، بداعي احاطة التمثال بالتكريم ساعة اعادته الى ساحة الشهداء. وقد وقفنا مع جبران تويني وراء نوافذ "النهار" نراقب وصول التمثال، فنهلل، ونراقب "إلقاء القبض" عليه محبطين. لكننا عرفنا يومها اننا كنا نسجّل نقطة في مرمى الوصاية التي كانت تراجعت من موقع المبادرة الى موقع الدفاع الدائم بلا هوادة.

في تلك المرحلة نفسها حمل جبران تويني الى الرئيس رفيق الحريري الذي كان لا يزال رئيسا للحكومة (تموز 2004 ) فكرة اعادة اطلاق اسم الرئيس كميل شمعون على المدينة الرياضية، التسمية التي لم تسقط قانونيا ولا تاريخيا. وكان في عقل طارح الفكرة ان كميل شمعون يمثل رمزا مركزيا حاضرا في الوجدان المسيحي، لم تسقطه الايام ولا الاحباطات التي عاناها المسيحيون في العقود التي سبقت. وكان جبران يرغب في ان يكون رئيس الحكومة المسلم الاستقلالي راعي عودة اسم كميل شمعون ليرتفع عند الواجهة الامامية للمدينة الرياضية. وقد حملت الفكرة الى الرئيس الحريري في مكتبه في قريطم لان كلا الرئيس الحريري وجبران تويني لم يكن يريد كشف حجم التنسيق بينهما. وكم كانت دهشتي كبيرة حينما مد الرئيس الحريري يده الى احد أدارج مكتبه ليخرج منه دفترا للملاحظات دوّن على احدى ورقاته "مشروع مدينة كميل نمر شمعون الرياضية"، وقال لي: "قل للاصدقاء ان اسم كميل شمعون سيعود الى حيث كان، ولا يحتاج الامر الى قرار، لان القرار موجود في الاصل ولم يسقط. دعني فقط اقطّع الوقت ليهضموا قصة تمثال الشهداء، لكي اعود اليهم بالقصة الجديدة التي لن يقدروا هذه المرة على ان يصادروها كما فعلوا بالتمثال"!

هذا كان حلماً من احلام جبران تويني، وهذا كان وعد رفيق الحريري الذي كان عليه ايضا ان يقوم بعملية "دوزنة" دقيقة للخطوات على طريق قضم الارض بهدوء من تحت ارجل الوصاية.

بعد اسابيع فرضت الوصاية التمديد بالقوة والتهديد والوعيد. ثم خرج الرئيس الحريري من الحكم لكي يتفرغ تماما للمعركة الاستقلالية، ولم يعد في إمكانه تنفيذ وعده. ثم استشهد.

واليوم، بعد مرور ايام معدودة على ذكرى استشهاد داني شمعون، وقبل بضعة اسابيع من حلول ذكرى استشهاد جبران تويني، ومن بعده ذكرى كبير الاستقلاليين رفيق الحريري، لا يسعنا سوى ان نتوجه الى الرئيس فؤاد السنيورة حامل الامانة الاستقلالية في رئاسة الحكومة لتذكيره بوعد رفيق الحريري، لعله يبادر فورا الى اعادة اسم كميل شمعون ليرتفع فوق المدينة الرياضية تكريما لاحد رجالات لبنان ورؤسائه الكبار، انى كان الموقف من مسيرته السياسية، نعبر جادات واسعة، ونمر امام قصور مؤتمرات ضخمة تحمل اسماء رؤساء يخجل المرء من مجرد التلفظ بها!

المصدر:
النهار

خبر عاجل