الحكومة
على امتداد تاريخ هذه البلاد منذ اعلان استقلالها، لم تنعم رئاساتها ولا سيما رئاسة الحكومة بالامان والاستقرار. والشاهد ان 3 من رؤساء الحكومات الكبار: رياض الصلح باني الاستقلال الاول، ورشيد كرامي المناضل من اجل السلام الاهلي، ورفيق الحريري باني الاستقلال الثاني استشهدوا في ساحة الواجب. اما الرؤساء الآخرون فهم من طينة الكبار في ادارة دفة الحكم ورعاية مصالح شعبهم. ومع ذلك واجهوا عواصف أمنية وسياسية عاتية في محطات مصيرية عرفها لبنان في الاعوام 1958 و1969 و1973 و1975 و2005. وهذا لا يعني ان رؤساء الجمهورية بدءاً ببشارة الخوري ورؤساء المجالس النيابية المتعاقبين كانوا خارج هذا التصنيف. فهم صنعوا تاريخ وطنهم بجدارة على رغم تنوع آدائهم الذي كان يتفاوت مما كان ينعكس على شريكهم التنفيذي. لذلك، فإن السؤال عن احوال الرئيس سامي الصلح يجب أن يقود الى السؤال عن حكم رئيس الجمهورية كميل شمعون. ومثله السؤال عن الرؤساء حسين العويني، وعبد الله اليافي، وصائب سلام، وأمين الحافظ، وسليم الحص، وشفيق الوزان، وعمر كرامي، يقود الى السؤال عن الرؤساء فؤاد شهاب، وشارل حلو، وسليمان فرنجية، والياس سركيس، وأمين الجميل، والياس الهراوي، وأميل لحود. ومع هؤلاء رؤساء مجالس نيابية لهم ادوار وقدرات مثل عادل عسيران، وصبري حمادة، واحمد الاسعد، وكامل الاسعد، وحسين الحسيني، وصولا الى نبيه بري. وتبقى هناك أسماء وأسماء لا يقلل من قيمتها عدم ذكرها.
ولكن في كل هذا التاريخ تلقى على عاتق رؤساء الحكومات مسؤوليات متميزة، سواء أكان الزمن قبل اتفاق الطائف عام 1989 حيث كان لرئاسة الجمهورية صلاحيات واسعة، أم بعد الاتفاق حيث انتقلت الصلاحيات الى مجلس الوزراء مجتمعا. وهكذا كان رئيس الحكومة قبل الطائف يعتكف أشهراً طوالا مثلما فعل الرئيس رشيد كرامي في مواجهة مأزق اتفاق القاهرة عام 1969، ويستقيل كما فعل الرئيس صائب سلام بعد اغتيال اسرائيل القادة الفلسطينيين الثلاثة في بيروت عام 1973، علما ان المسؤولية هي اولا على عاتق رئيس الجمهورية سواء أكان شارل الحلو أم سليمان فرنجية، فيما اضطر رفيق الحريري طوال ممارسة المسؤولية بعد الطائف الى ان يدفع من رصيده في ظل الوصاية السورية فيما المسؤولية يتحملها الحكم التنفيذي مجتمعا رئيسا للجمهورية هو اميل لحود، ومجلسا للوزراء. الى ان اصبح الضغط مكشوفا أبان عهد لحود. فرئيس مجلس الوزراء يحظى بتأييد غالبية برلمانية لكنه يتنحى.
واليوم، في عهد رئاسة فؤاد السنيورة للحكومة مشهد قديم يتجدد خلال فترة مساكنته عهد لحود بين العامين 2005 و2008. ومشهد جديد في عهد الرئيس ميشال سليمان منذ أيار الماضي. واذا كان العهد الحالي هو الاول منذ زوال الوصاية السورية ينبئ بأن قواعد السلوك في السلطة التنفيذية قد تغيّرت، فأن الاستهداف يأتي من الاطراف الذين يفترضون ان اتفاق الطائف غير موجود فعليا. فاذا كان الرئيس سليمان هو رئيس الجمهورية الفعلي للبنان يحترم قواعد هذا الاتفاق، فان هناك رئيسا للجمهورية في الظل هو العماد ميشال عون، هكذا يصوّر نفسه يريد ان يكسر شوكة رئيس مجلس الوزراء. تماما، كما حصل بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عندما حملت الاكثرية السنيورة الى السرايا فشدت المعارضة الرحال الى ساحة رياض الصلح لاسقاطه.
إنها على ما يظهر معركة إسقاط الطائف وليس معركة الحصول على حقوق الطوائف. علما ان ما جاء في "النهار" امس يتطلب الاهتمام والعناية لجهة الشروع في البحث في ايجاد نظام داخلي لمجلس الوزراء، مثلما هناك حاجة حقيقية الى نظام داخلي على مستوى سائر المؤسسات التي تحاول قوى الامر الواقع تحويلها مزارع.
في تاريخ لبنان منذ عام 1943 شواهد كثيرة على ان محاولات الاستيلاء على الوطن بذرائع مختلفة لم يكتب لها النجاح. واليوم هناك من يكرر المحاولة على غرار ما فعله المتهم امام القاضي الذي سأله: "لماذا سرقت البقرة؟" فأجابه: "سيدي، وجدت في الحقل حبلا فأمسكت طرفه. لكنني لم أعلم ان طرفه الآخر موصول برقبة البقرة"!.