إعلام!
لم يمر على بلد فوق هذه البسيطة، من أهوال، ما مرّ على لبنان يا اخوان، وعلى مدى ثلاثة عقود. هذا ليس إفتراضاً أنتجه كسل يعكس ترفاً فكرياً، بل حقيقة فرضتها وقائع محددة وثابتة سُجّلت من خلال سلسلة معارك محلية وإقليمية ودولية، شاركت فيها حشود من الجيوش والشعوب والميليشيات، دمرت البلد فوق رؤوس أهله ومن فيه، أكثر من مرة.
والإعلام اللبناني، كان جزءاً من تلك المعارك والحروب، وأحياناً كان طرفاً أساسياً فيها.. والبعض كان، ولا يزال، الى حد بعيد جزءاً من عدة القوى المتخاصمة والمتضاربة والمتصارعة والمتشارعة… لكن ولا مرة، في زمن اللاسلم واللاحرب كالذي نعيشه في هذه الأيام، أو في زمن الحرب الباردة كالتي يظن البعض انه يراها كتوصيف لهذه المرحلة، ولا مرة بلغ الهزال والإسفاف وإنعدام المصداقية في ذلك الإعلام، ما بلغه ويبلغه هذه الأيام من خلال بعض المصحات العقلية المسماة تمويهاً محطات تلفزيونية، أو من خلال بعض المنشورات الصفراء المبتذلة، المسماة تمويهاً صحافة يومية.
مرحلة إعلامية كالحة في سوادها، مؤسفة في مستواها، مرعبة في تزويرها، مؤذية في رعونتها، صفراء في كذبها وشراستها، طينية في إنعدام مصداقيتها، مبتذلة في أحاديثها، خطيرة في تحريضها، حارقة في خفة تعاطيها مع الناس وأرواحهم، وفي تهديدها سلمهم اليومي وسيرهم الطبيعي، وهمهم المعيشي، وخوفهم المقيم أبداً في أفئدتهم.
مرحلة، يشهد كل من عاش وشاف تلك الحروب ومحطاتها السلمية المتفرقة، انها لم تمر عليه. ولا أظن أن أي موّثق لتلك المرحلة، أو مُشتغل في التأريخ اليومي للسنوات الثلاثين الماضية، يمكن أن يصل الى مقارنة ايجابية لما يجري اليوم في هذا المضمار، بما كان يجري في أيام سيادة القتل والخطف والنسف والتهجير، وصناعة البلايا بكل أنواعها… اليوم أصعب بالمعنى الإعلامي.
ولا غلو في ذلك الإستنتاج أو مبالغة. ولا تركيبات لغوية أسيرة اللحظة وهيجانها. لقد سبق أن شهدنا معارك إعلامية حقيقية، بين كل أطراف الحرب وصنّاعها وضحاياها، وكان السجال لا يتوقف في فترات الهدنة، لكنه كان سجالاً راقياً في أفكاره وطروحاته وحججه ومستواه. وكان يعكس في واقع الحال، إصطفافاً حزبياً مليئاً بالرؤى التي تريد تغيير الدنيا… سِجالٌ أرّخ لمرحلة مؤلمة، محزنة، كانت محكومة بقصر نظر وبراءة في بعض المحطات، لكنها في الإجمال، ومرة أخرى يا اخوان، كانت راقية ومقنعة الى حد مقارعتها آنذاك، للفتوى التي ترسل الناس اليوم الى الموت وهم يبتسمون!.
أما ما نشهده في هذه الأيام، فهو يعكس بشكل ما، كل إرث السياسة المبتذلة التي زرعتها ورعتها ماكينة الوصاية بعد إتفاق الطائف، وكل ما انتجته ثقافتها وما عملت وتعمل عليه من ظواهر إعلامية.
مرحلة تعكس بدقة، ما كنا فيه، وما كان يؤمل أن نستمر فيه في السياسة والأمن والاجتماع، لكنه انتهى الى الاستمرار في الإعلام فقط أو في بعضه… وهذا لعمري، إنكسار كبير لا يليق بلبنان وريادته في الكلمة والصوت، والإبداع والحرية.