سوريا: من الصدام الى التصادم
إن إعلان توقيع وثيقة التمثيل الديبلوماسي بين سوريا ولبنان بعد 65 عاماً من تاريخ الاستقلال 1943، يمثل اعترافاً نحو سيادة لبنان واستقلاله مع غياب رسم الحدود وموضوع المفقودين والمعتقلين اللذين سيظلان عالقين على الواجهة بين العاصمتين. كما ان هذا التبادل الديبلوماسي يأتي تلبية كإحدى المطالب التي تصر عليها قوى 14 آذار لتجنب أي صدام مستقبلاً. فضلاً عن ان هذا التحول هو حصاد الضغوط الفرنسية التي مورست على نظام دمشق الشبيهة بتلك الضغوطات الدولية لسحب القوات العسكرية عشية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. مع ان الرئيس بشار الاسد يتقن التكيّف مع الأوضاع الدولية المستجدة والاملاءات الضاغطة لحسابات خاصة. لا يزال لبنان في نظر النخبة الحاكمة السورية مقبض شد الحبال مع العواصم الغربية أو مع الحكومة الاسرائيلية. وبمقتضى ذلك هل يغلق هذا التحول على الصعيد الديبلوماسي على مستوى السفراء والقنصليات أنواع منافذ التصادمات بين البلدين المتجاورين؟ أم ان أقنية التصادمات مفتوحة طالما ان الامن السوري »لصيق« بالوضع اللبناني؟ وكيف يستطيع الفريق الحاكم السوري باقناع اللبنانيين بأن عهود الصدام تحت عباءة الوصاية قد ولت؟ ولماذا تتقدم ورقة التكفيريين لتحميل المسؤولية على عاتق السلطات اللبنانية على تقصيرها في المراقبة والملاحقة مع ان هذه العناصر لا مصدر لها إلا دمشق؟
الجدير ذكره ان حقبة الصدام العسكري في عهد الوصاية لا تزال ارهاصاتها وآثارها بالغة وشديدة في اوساط النظام الحاكم، وان كانت جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ألقت صداها بشجونها وأحزانها في قلوب اللبنانيين فإن المسؤولين السوريين بالمرصاد لاستغلال اي كان لأجل التخلص من شبح المحكمة الدولية. فلقد حاولوا في هذا السياق عرقلة انتخاب رئيس للجمهورية بأي طريقة مقابل التنازل الاولي عن قضية الرئيس الحريري فلم يفلحوا في ذلك، بل ان سوء التعاون في انتخاب رئيس جديد أفضى في نهاية الامر الى توتير العلاقات مع الدول الصديقة للدولة اللبنانية. زد على ذلك ان اللعب بورقة الارهاب ما هو إلا لأجل ترسيخ جسور مع واشنطن مقابل مكافآت معنوية سياسية، إذ ان التعاون الاستخباراتي بهذا الملف صار موضع التنفيذ عشية استقبال السلطات السورية قدوم أفراد من مركز الاستخبارات الاميركية قصد التحري والتقصي مع المعتقلين الاصوليين وكذلك من المحتمل الوارد نقلهم الى معاقل خاضعة للولايات المتحدة، وهي خطوة على وقع الحصول ما دامت ان سوريا مصممة على تعليق او اقفال ملف قضية الرئيس الحريري، ومقابل ذلك أيضاً سلة من الشروط في طليعتها عدم تعزيز قدرات الجيش اللبناني الى مستوى القوات السورية. وان كانت العاصمة السورية تحاول ايهام الرأي العام الدولي بأنها الحائط المنيع للجماعات الأصولية وأنها لن تتوانى في سد أي مسمر في وجه الافراد المسلحة الذين يحاولون اتخاذ الارضية السورية معبراً لهم على غرار ما صرح به الرئيس السوري لتبرير نشر قواته على الحدود اللبنانية، فلا مناص من الاعراب عن ان هذا المنحى غايته الابتعاد من أي عقوبات اضافية من جهة، فيما قضية الرئيس الحريري التي باتت تحت تصرف الامم المتحدة بإشراف المحكمة القضائية، فلا ريب انها تصب في مصلحة استقرار الوطن اللبناني أولاً، وان المحاولة في تقصير أو إخفاء حقيقة الجريمة الكبرى فهي قطعاً ستؤدي الى تفاقم التصادمات وتقويض مقومات الاستقرار في بلد متنوع المذاهب والمشارب كما يضيف عبئاً معقداً في المنطقة الذي لا يراد له من قبل العواصم الكبرى من جهة أخرى.
فالانتقال من مرحلة الصدام العسكري ـ الوصاية ـ الى الاعتراف مبدئياً ولو على صعيد السلك الديبلوماسي، فلا يحول دون التغاضي عن مؤشرات تصادمية القابلة للافتعال على عدة عناوين:
أولاً: الخط الأمني بدا محوراً أساسياً تعتمد عليه السلطات السورية بما يتعلق بالارهاب، بحيث ان انتشار الجيش على الضفة الشمالية بات مثيراً وموضع الاهتمامات للحط من كفاءات ومؤهلات الاجهزة اللبنانية حول جدارتها لاستتباب الامن النظامي والاهلي، كأنما لبنان المصدر الحقيقي لعناصر الجماعات المتطرفة. وتحت العنوان ذاته ان الحزب البعثي الحاكم يبدو عليه ملامح القلق والريبة تجاه السلطات اللبنانية، في الوقت ذاته لم يعد خافياً ان الصدامات الامنية داخل الحدود السورية بأنه قد كشف عن النقاب عن الهشاشة الامنية التي يعاني منها النظام القائم تجاه المتشددين المسلحين، سواء في مخيم اليرموك او على طريق المطار، فضلاً عن صراع الاجنحة داخل دهاليز أجهزة الحكم الذي يشكل خطراً في زعزعة النظام السلطوي، بالتالي ان ي اختلال في الاستقرار على بلاط أروقة الحكم، علاوة على الضغوط الخارجية إذا ما لم يكن هناك تنازلات لصالح اسرائيل فإن لبنان سيكون البديل بافتعال تصادم هدفه أولاً وأخيراً تغطية اية انزلاقات امنية سورية.
ثانياً: الحماية السيادية ضرورية عقب التدشين الديبلوماسي في وجه القيادة الحاكمة في دمشق التي ما فتئت تحترم المعاهدات والمواثيق الدولية عندما لجأت الى المساس بالسيادة الوطنية عن طريق الملاحقة في تصفية المعارضين على الاراضي اللبنانية دون الحصول على اذن مسبق من الجهات المعنية، خصوصاً ان المعارضة السورية المقيمة في لبنان تختلف مع المسؤولين السوريين في الرأي وفي نهج الحكم ولا تشكل خطراً مباشراً، وان اختراق السيادة اللبنانية فهو عمل يتناقض أصلاً مع أصول التعامل الديبلوماسي ولا يؤدي إلا للتصعيد والتوتير.
ثالثاً: الالتزام بالتعاون على الصعيد التنظيمي على اسس القرارات الدولية المتعلقة بتفكيك اسلحة الميليشيات والمخيمات ينبغي لا تبرز عليه ملامح التهاون والتقصير، دون ذلك سيدفع بمثابة عون على اندلاع التصادمات وتأجيج الصراعات.
رابعاً: الترابط السوري الطرفي والوثيق مع »حزب الله« معرض للتفتيت والتمزق من جراء العلاقات المضطربة والمتلاطمة بين الطرفين، فالثقة تعتريها علامات مضمرة ومريبة منذ اغتيال القيادي عماد مغنية، وكذلك بما يخص بعض الاسرار عن طرق الردود الانتقامية من اغتياله فقد تدفع نحو توقع تصادمات مرشحة للفبركة والافتعال في حال توسعت الهوّة الى حد لا يطاق بين انصار الطرفين على حساب التهدئة الجماعية الحالية.