#adsense

مصارحة لا مصالحة

حجم الخط

مصارحة لا مصالحة

أن ينعقد لقاء النائب سعد الحريري والسيد حسن نصر الله، خير من ألا ينعقد. فالتهدئة صارت أمراً واقعاً منذ اتفاق الدوحة، وتأكدت بتطبيق مندرجاته، من انتخاب رئيس الجمهورية التوافقي الى تشكيل الحكومة، والعودة الى طاولة الحوار.

ثم صارت التهدئة امراً مسلّماً به، برغم المتفرقات الأمنية في بعض شوارع بيروت، بعدما قصد وفد قيادي من "حزب الله"، برئاسة رئيس كتلته النيابية، دارة قريطم. وبدت التهدئة جواز مرور إلى التصافي بمشاركة نائب من الحزب في غداء قريطم نفسه عقب الافتتاح الرسمي لجامع محمد الأمين.

سبب آخر يجعل انعقاد اللقاء بين الرجلين خيراً من ألا ينعقد، هو أن المصارحة بين تيار "المستقبل"، و"حزب الله"، أو بين "14 آذار" و"8 آذار"، انطلقت في مؤتمر الدوحة، وبالتالي فإن الحوار السياسي بين الخطين، خارج هيمنة السلاح، باتت مذ ذاك مسلّمة مبدئية. وما كان ينقص هو "استيعاب تداعيات المرحلة السابقة"، وفق ما أشار بيان واحد في المضمون، ثنائي في المصدر، تجنّب فيه الطرفان "البيان المشترك" واعتمدا المقاربة الواحدة.

يشي النص برغم اقتضابه بالتنكر لغزوة بيروت في أيار الفائت، إلى حد عدم الإتيان على ذكرها، وتحول اللقاء "مناسبة لمراجعة مبدئية للمرحلة السابقة" التي لا بد أن تشملها. والمعنى الآخر المضمر، أن الاختلاف في النظرة إلى استخدام السلاح في الداخل يومها لم يتغيّر، ولربما امتد إلى أبعد من ذلك، أي إلى حرب تموز وويلاتها على البلاد والعباد.

هذا الخلاف لا يجد قيمته إلا في ظل السلم الأهلي والوحدة الوطنية. ولعل استشعار الطرفين بالتهديد الذي يحيق بالأمرين، برر اتفاقهما على "ضرورة اتخاذ الاجراءات كافة لمنع التوتر والتشنج الداخلي وتعزيز الحوار والتواصل".

أمر كهذا لا يحتاج ، في بلد غير لبنان، إلى بيان من مجموعتين سياستين .فالعادة أن يجتمع اثنان من الأحزاب والتيارات أو أكثر، لاعلان تحالف انتخابي أو موقف موحد من قضية اجتماعية أو اقتصادية تشغل جمهوريهما.

وعادة لا يتحدث عن الصحة إلا المريض، وقياساً على ذلك لا يشدد على "الوحدة الوطنية والسلم الأهلي وتعزيز الحوار والتواصل" إلا من يستشعر خطراً عليها. فالخطر المحدق بها جميعاً ليس بعضاً من التهويمات السياسية، بل هو موجود بالقوة – على لغة الفلسفة – ويمكن ان يتحول امراً واقعاً، إذا لم تسد نوافذه بواحد من ثلاثة أشار إليها البيان الواحد غير المشترك: تعزيز العمل الحكومي، والتمسك باتفاق الطائف، وتطبيق اتفاق الدوحة.

فالبند الأول يضع ضمناً، حداً لمحاولات افتعال أزمة طائفية بحجة صلاحيات نائب رئيس الحكومة. وذلك يكمل موقف البطريرك هزيم، وموقف الوزير السابق فؤاد بطرس. وخصوصاً ان من يطالبون بهذه الصلاحيات لم تتحرك غيرتهم على صلاحيات الدولة في احتكار قرار السلم والحرب، ولا على صلاحيات القوة العسكرية في التفرّد بصون السلم الاهلي.

والبند الثاني، ينهي أحلاماً أو سيناريوهات عن تغيير "اتفاق الطائف" بقوة الأمر الواقع، لاحلال المثالثة بدل المناصفة.

أما البند الثالث، فيؤكد نهج الحوار من جهة، واعتماد طاولة الحوار من جهة أخرى، وما يلحق بها من موضوع رئيسي هو الاستراتيجية الدفاعية، وعديد المتحاورين، الذي يريد البعض زيادته لتحويل الوجوه المضافة نجوماً في الانتخابات المقبلة، بتسميتها قيادات، وتوسيع مواضيع النقاش لإغراق البند الرئيسي في جدل يبدأ بالسياسة الاقتصادية ولا يقف عند الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

لكن ما لا يقوله النص، من دون أن يغفله، هو أن اللقاء قدم شبكة أمان إلى اللبنانيين، على قول النائب السابق فارس سعيد. لكن هذه الشبكة تبقى منقوصة إن لم تستكمل لقاءات افرقاء الانقسام السياسي العمودي، بلقاء مسيحي – مسيحي لم يتردد رئيس الهيئة التنفيذية لـ"القوات اللبنانية" بقبول الاشتراطات المقترحة لعقده، من دون أن يصل إلى جدوى، لكأن المطلوب ابقاء كوة في هذه الشبكة تسمح بدخول الفتنة في أية لحظة، لن يُسأل عنها يوماً ان ولجت، سوى الوزير السابق سليمان فرنجية.

يبقى أن أهم ما في لقاء ليل الأحد أنه كان للمصارحة، وليس للمصالحة: الأولى تعني بقاء اختلاف وجهات النظر. والأخرى تتوج تراجعات من أحد الطرفين. الأولى تؤكد أن الخلاف إستراتيجي، والبيان يؤكد أن التنافس الديموقراطي سيعطي الأرجحية في مجلس النواب المقبل للاستراتيجية التي ستلتقي عليها غالبية اللبنانيين. خصوصاً إذا ما سلّم الجميع، "بضرورة إجراء الانتخابات، وبضرورة التسليم بنتائجها. ولا بد من التسليم بهذه النتائج"، كما نقل عن رئيس الجمهورية التوافقي.

المصدر:
النهار

خبر عاجل