جمهورية الحريق والغريق!
بصرف النظر عن الهبوط المريع للسياسة في لبنان، ان على مستوى القامات او المفاهيم او الثقافة المتهاوية، ترتسم في يوميات اللبناني مسألة الخدمات العامة كأنها اللافتة التي تختصر الشقاء المأسوي في جمهورية فاشلة اين منها ادنى مستويات الخدمات في اسفل لائحة دول العالم الثالث.
في مطالع هذا الموسم الماطر وقد بدأت تتصاعد لوحة جديدة عابقة بكل صنوف التعذيب للناس، تحضر "المراقب" العادي صورة ثلاثة مجهولين يتناوبون ويتبارزون في تظهير صورة الجمهورية التي عجزت بفضل "نخبها" السياسية عن ان تكون دولة. اول هؤلاء المجهولين الارهاب الامني الذي يتفنن في تحدي قدرات الدولة الناشئة والمتعثرة لألف علة وسبب. ولكن ثمة كثير من التبريرات التي يمكن ان تشكل نقاطاً تخفيفية في تبرير عجزها في هذا المجال ما دامت اعظم الدول المقتدرة تجرجر ذيول الخيبة امام هذا العدو الفائق السطوة.
وثاني هؤلاء المجهولين ارهاب الحرائق الذي يبدع عبر خطة جهنمية في تفحيم لبنان وخضرته وتحويله صحراء مجدبة تلتحق بها سهوله التي هجرتها ايادي الخير الخضراء لأن الزراعة في لبنان باتت في اسفل مستويات العناية الرسمية بالجبال والمرتفعات التي باتت قاحلة سوى من هياكل الغابات المتفحمة والمقالع والكسارات التي تنهش ما تبقى من معالم "لبنان الاخضر".
اما ثالث المجهولين الذي تطأ بصماته الثقيلة على يوميات الناس في هذه الايام، وبعد اقل من اسبوعين من آخر جولات الحرائق، فهو ارهاب الاهمال المزمن والعجز الفاقع والفساد الأشد وطأة من الاثنين في جمهورية لا تقوى على ردّ "شرور" الشتوة الاولى لأن دوائرها لم تهتد الى ابسط الخطط والتخطيطات الاحترازية والاستباقية للحؤول دون تحويل الخير الهابط من السماء لعنة تغرق الناس على الطرق وداخل المتاجر والمنازل وتحرق ما تبقى من اعصاب وأمل في دولة عصرية.
مشهد "المدائن" اللبنانية وتحديدا العاصمة بيروت، في يوم ماطر هو فعلا الادانة القاصمة "لمشروع الجمهورية" في بلد يضج بكل البلاغات السطحية الفارغة لسياسييه في هذا الزمن الضحل، وتتصاعد معه الادعاءات الزائفة والكاذبة بأن السياسة هي في خدمة الناس.
اذا كانت "دولة" تعجز عن الزام متعهد او "استشاري" التزام المواعيد على ما اوحت صرخة الوزير المعني بذلك الاسبوع الماضي ذاهباً الى حد التهديد باستقالته، فكيف يراد للناس ان يصدقوا او يؤمنوا بأنهم يرتعون في بلد تحت مظلة دولة؟
يقال ان جولة مزلزلة يتهيأ لها مجلس الوزراء لمناقشة هذه المعضلة التاريخية من باب فتح ملفات المجالس والمشاريع والالتزامات المفتوحة على الطرق والساحات العامة. ولكن اخشى ما يخشاه الناس ان تتحول هذه المبارزة مناسبة للكيد السياسي والتمريك والتناتش عند ابواب المسؤوليات الضائعة والمجهولة والمجهلة ثم يضيع كل شيء وتبقى بيروت عوامة عملاقة، ويبقى لبنان "جمهورية الحريق والغريق" لأن مقتضيات السياسة اكبر واجلّ من الالتفات الى جلجلة الناس.
واخشى ما يخشاه الناس ان يبقى مشهد الخدمات العامة وسيلة ابتزاز وخضوع واخضاع في مغارة "علي بابا" فيخرج عليهم نجوم السياسة بعد منازلات متوقعة، بما يفيدهم من دعائيات انتخابية وسجالات هجائية، وتبقى مدن لبنان وقراه رازحة في حقيقة البلد الذي ينزلق الى ادنى سلم الدول الفاشلة.
واذا كانت مقولات السياسة تجيز الفرز بين موالاة ومعارضة في "اقتسام" الناس فماذا يبقى من فرز بين حق وباطل فعلاً امام قصور مريع وعجز مخيف وتواطؤ مزمن تسأل عنه كل الطبقة السياسية اللاهية في مشهد بيروت العوامة وضواحيها ومسيرة الساعات الحارقة للاعصاب في ازمة السير التي باتت هي قبل اي شأن "جليل" آخر عنوان الدولة والجمهورية و"النجوم" والزعامات والسياسيين بلا اي فرز؟