مصالحة.. مسيحية؟
لم يترك سمير جعجع يا إخوان، عقبة في طريق المصالحة المسيحية إلا وأزاحها، ولم يترك حجراً يعترضها إلا وهشّمه، ولم يترك حُجّة لمنع حصولها إلا وفنّدها، ولم يترك مطباً أمامها إلا وسوّاه بالأرض، ولم يترك سؤالاً في شأنها إلا وأجاب عليه، ولم يترك سُلّماً موضوعاً بالعرض في وجهها إلا وكسّره، ولم يترك وسيلة يمكن اعتمادها لإتمامها إلا وأخذ بها وسلك مسلكها… ومع ذلك، ظل سليمان فرنجية وحليفه في الرابية ومعهما (من بعيد) عمر كرامي، على موقفهم الرافض لإجرائها.
أمر غريب ويدعو الى العجب والسؤال عن السبب…
يعني كنا سمعنا في مطلع التسعينات من القرن الماضي، الرئيس كرامي يقول ما معناه »عفا الله عما مضى« عندما طُرح توزير جعجع في حكومته وتمثّل فيها فعلاً آنذاك بواسطة الوزير روجيه ديب. وكنا قرأنا في العام 2006 حديثاً مباشراً للوزير فرنجية في صحيفة لبنانية يقول فيه بالعربي الفصيح إن جعجع أصيب قبل وصوله الى إهدن في 13 حزيران عام 1978، ولم يشارك في المجزرة المؤسفة آنذاك، كما أنه لم يكن صاحب القرار في ما حصل من الأساس… وكنا سمعنا بعد ذلك، في الأمس القريب، الكثير من الترحيب باتفاق الدوحة الذي أقفل باب ترجمة الخلاف السياسي في الشارع ونقله الى المؤسسات، وشاهدنا بعده سلسلة خطوات لوأد الفتنة الإسلامية في بيروت والجبل على حد سواء، ولم يحصل أن هرّت شعرة واحدة من رؤوس المتصالحين، بل بدا الجميع في غاية الانشراح والحبور والسرور، لأن حِمْل الشارع »ومآثره« المشهودة أنزلا عن الأكتاف… وسمعنا جمعينا يا إخوان، أن المصالحة تنظّم الخلاف السياسي ولا تلغيه، وتريّح الناس ولا تتعبهم، وتُهدأ الخواطر ولا تؤججها، وتضع ضوابط لتفلّت الغرائز ولا تفك عقالها أو تطلقها على غاربها… وفهمنا فوق ذلك، ان اللقاءات والمصالحات والمصارحات لا تنتقص من حقوق أحد ولا تغبن أحداً، ولا تضر بالمصالح السياسية العليا أو السفلى لأي طرف. يعني بالعربي الفصيح إياه، الأمر في خلاصته إيجابي جداً، وفيه مصلحة أكيدة لأصحابه وللناس والبلد بأمه وأبيه.
يسري هذا المنطق أينما كان… إلا عند سليمان فرنجية وحليفه في الرابية… ومعهما من بعيد عمر كرامي. كيف ذلك، ولماذا؟ وما هي مصلحة أي فعالية مسيحية، سياسية أو دينية أو تجارية أو صناعية، أو فنية، أو ثقافية أو تربوية، أو عسكرية أو مدنية أو أمنية في عدم تصالح المسيحيين مع بعضهم البعض؟ وما هي هذه »الجريمة العظمى« التي يقترفها الدعاة الى المصالحة كي يرفضها الوزير فرنجية وحليفه جنرال الترحيب بمصالحة »المستقبل« و«حزب الله«… كيف ينتصب عامود هذه المنطقة، وكيف يمكن لعاقل أن يفسّر أن المصالحة المسيحية هي فعل مجانين… وكيف يمكن أن يقرأ أحد طرفي هذه المصالحة أنها أمرٌ يخدم غريمه ولا يخدمه هو، ومن هو القارئ السياسي الفحل الذي يعطي هذا التفسير لعمل يترك كل شيء على حاله إلا الشارع ولغته وأدواته..؟! والسؤال الأكبر والأوضح والأفصح والأجرأ: لماذا مسموح أن تحصل المصالحة إينما كان إلا عند المسيحيين؟ ولماذا لا يُسمع صوت »الشقيقة« ورغباتها ومصالحها (في هذا الشأن) إلا عند المسيحيين؟!
قبل كل ذلك، قبل السياسة والانتخابات وحساباتها، والتاريخ ومراراته، هناك في مكان أخلاقي محدد، يمكن العثور على الكثير من الأوراق المحفوظة لسمير جعجع. وفي المقابل، في المكان إياه، هناك الكثير من الأوراق الخالية بانتظار أن يعبئها سليمان فرنجية كي تصير باسمه. فهل يفعل… وينتصر؟!