لماذا لم يطرح أبو جمرة حقوق الأرثوذكس يوم كان نائباً لرئيس الحكومة العسكرية؟
هدية سوريا لميشال عون: خمسون معتقلاً يعود بهم وتسميته لسفير لبنان في دمشق
زمن تولي ميشال عون رئاسة الحكومة الانتقالية التي تشكلت قوامها من عداد أعضاء المجلس العسكري لقيادة الجيش اللبناني، شاءت الصدف أن يكون العميد عصام أبو جمرة والذي كان يشغل منصب مفتش عام الجيش، وهو المركز المخصص لطائفة الروم الأرثوذكس عضواً في ذاك المجلس العسكري، وبالتالي صار وزيراً في الحكومة الانتقالية، وبكونه ينتمي الى الطائفة الأرثوذكسية، سمي يومها نائباً لرئيس الحكومة.
منذ أيلول 1988 وحتى تشرين 1990، عهد هذه الحكومة، لم نسمع أبو جمرة ينبث ببنت شفة حول حقوق طائفته، ولم نشهد، ولم نشاهد نائب رئيس الحكومة ينطق بأي من مطالبه الحالية في ما يخص الطائفة التي ينتمي اليها، ولعل من حق المواطن اللبناني أن يسأل عن سبب اندفاع أبو جمرة الظرفي باتجاه ما أسماه حقوق الأرثوذكس، والضجة التي أثارها أخيراً تركت تساؤلات حول نوايا العونيين، وما هو الجديد المنتظر من هؤلاء بعد السلسلة الطويلة والمعقدة لانقلابهم على التاريخ وعلى الطريق الآخر، إنجيلهم الذي قرأوا فيه على مسامع الناخبين المسيحيين صفحات برتقالية مفادها أن حزب الله إرهابي.. وشبعا غير لبنانية.. والوزير الذي لا يوافق رئيس حكومته عليه أن يستقيل فوراً أو أن يُعفى من مهامه.
ولو أن أبو جمرة الحريص صورياً على حقوق طائفته، كان حرصه صادقاً، لكان الأجدى به منطقياً وطبيعياً أن لا يجزئ حقوق الطائفة، وبالتالي أن يدافع عنها ويحميها بشكل اجمالي وليس بالتقسيط. وعليه، كان يجب أن يقف الى جانب نائب رئيس المجلس النيابي يوم أخفى رئيس المجلس مفتاح البرلمان، ويوم كان رفاق أبو جمرة، أي تحديداً جماعة سوريا في لبنان، يعيّبون على نائب رئيس المجلس النيابي ويزعمون افتقاره لأي صلاحيات، خصوصاً وأن الرئيس بري غير محايد، يقفل أبواب ساحة النجمة، يتلكأ عن القيام بواجباته، يتمنع عن تسجيل المحاضر. وعلى الرغم من ذلك لم نسمع لا أبو جمرة ولا ميشال عون ولا غيرهما من فريق المعارضة يدافع أو يطالب بصلاحيات أو بحقوق لطائفة الروم الأرثوذكس، فما الذي حصل إذن اليوم؟ ولماذا هذه العنتريات الجوفاء؟
بات واضحاً أن مجموعة عون تتقيد ببرنامج ورزنامة تصاعدية، عنوانها الأساسي استنهاض دائم للمسيحيين، خصوصاً في السقطات التي تتالى عند عون، منها مثلاً زيارته للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو يعرف تماماً المزاج المسيحي في هذا الاتجاه، وهكذا، وتغطية لما يقوم به يرمي للمسيحيين شعارات طنانة ورنانة بهدف كسب التأييد على اعتبار أنه محصل لحقوقهم، تماماً كما فشّخ عليهم بعد الدوحة، ولكن من الواضح أن لعبة بينوكيو انكشفت، ومن تبقى من عونيين مغشوشين سيفتحون عيونهم وآذانهم قريباً جداً يوم يزور عون قصر الشعب في سوريا حيث سيستقبله بشار الأسد، كما استقبله والده منذ 21 سنة، وسوف نشهد ونشاهد إسدال الستارة عن المشاهد الأخيرة من مسرحية الوهم، نعم ميشال عون لم يتغير… ميشال عون لم يتبدل… إنما كان الرجل يلعب العمالة المخفية، بحيث يجر المسيحيين بشعاراته، ولو أنه كشف القناع عن حقيقة تورطه مع السوريين منذ ذلك الزمن، لما استطاع خداع المسيحيين الى هذه الدرجة من الدهاء الميكافيللي.
وفي كل مرة كنا نسأل لماذا يخفي السوريون مصير أبنائنا المخطوفين والمعتقلين لديهم، لم نكن أمام أي جواب مقنع، سوى أن بعض اللبنانيين مسجونين بجرائم، حوكموا وهم يقضون محكوميتهم، ولكن برزت في الفترة الأخيرة معلومات مؤكدة تزامنت مع التحضيرات الميدانية للزيارة التي سيقوم بها ميشال عون الى سوريا، والتي من المفترض أن تكون مثمرة انتخابياً، خصوصاً وأن التوصيات السورية منذ فترة قضت بتقديم ميشال عون على سواه في الساحة السياسية لدرجة بات بالإمكان توصيف الرجل بأنه الأغلى ثمناً اليوم بالنسبة للسوريين، ولا نبالغ إذا ما وصفناه برجل سوريا الأول في لبنان، انطلاقاً من هنا لن يخرج من لقاء الأسد بسلة فارغة، ولأن السوريين في العادة لا يوزعون الهدايا عن حجاجهم اللبنانيين، إنما مع الحالة الاستثنائية التي اسمها ميشال عون فإن سلته سيتم تعبئتها بنحو خمسين من المعتقلين اللبنانيين في سجون سوريا، وهذا أهم وأغلى هدية انتخابية احتفظ بها نظام البعث السوري لليوم الموعود، من هنا قلنا إن خضّة أبو جمرة هي جزء من كل، في سياق الأجندة العونية التي تتجه باضطراد نحو السورنة، والتي أسميناها السورنة التطبيعية، وهكذا يكون عون يستعمل سياسة الجزرة والحمار، بحيث يربط في عنق الحمار جزرة ولكن لا يمكنه قضمها، ما يضطره الأمر الى السير الى الأمام بهدف التقاطها ولكن عبثاً يحاول وهكذا يستمر بالسير الى أن يصل الى حيث يريد صاحب الحمار.
للأسف هكذا يتصرف ميشال عون مع مناصريه المعترين حتى اليوم، أوهمهم كما أوهمنا في السابق، حوّل نفسه الى ذاك الشفاف النظيف لدرجة النقاوة والطهارة، ليتبين بعدها وبشكل ملموس مدى تورطه بالمال والعمالة، والأهم ما تسبب به من هدر وسفك دماء لأبرياء سقطوا نتيجة سياساته الهوجاء.
ولأن ميشال عون بات نموذجاً مكشوفاً للعمالة السورية، لم يخطئ السفير جوني عبده عندما وصفه بأنه نسخة طبق الأصل عن إميل لحود، ولا فرق بين الرجلين، ولأنه البضاعة الجيدة التي يؤمن السوري من خلالها تسويق سياسته على الأراضي اللبنانية، فإن اسم السفير اللبناني الذي ستعتمده الحكومة اللبنانية في دمشق لن يكون بعيداً عن ميشال عون، ولن نستغرب أبداً أن يكون عونياً، بمعنى أن يكون من عديد فرقة ميشال عون، وبالتالي سيكون سفيرنا في سوريا برتقالي الوجه والتوجه، أو على الأقل سيكون لميشال عون دور المفاضلة بين عدة أسماء سيتم طرحها لتسلم هذا المنصب الذي سيؤمن بجميع الأحوال تواصلاً رسمياً بين عون والنظام السوري.
وبذلك تنتهي مسألة الأحراج الذي يسببه موضوع تواصل عون ـ سوريا، كما تتحول بهذه الطريقة علاقة ميشال عون بسوريا التي عمرها من عمر دخول الرجل الى المدرسة الحربية الى علاقة على رأس السطح وعلناً بعدما كانت لسنوات طويلة مخفية عبر موفدين قريبين من النظام السوري.
ولأن خضات عون لن تنتهي، سيتحول قريباً الى موضوع جديد، والى مسرحية جديدة حتى يحين موعد الانتخابات المقبلة التي بدأت معالم المال الوسخ تبرز شيئاً فشيئاً، ولعل الدعاية التي أعلن عنها أحد نواب الغفلة من أنه يعرض كشفاً للعيون مجانياً ومن يزوره في عيادته يحصل على نظارات طبية مجانية.
بالفعل إنه زمن الغانية التي تنادي بالعفّة.