كلام مسرحي في لبنان لا حوار سياسياً … العلاقات الديبلوماسية مع سورية شرطها اللازم… العلاقات بين اللبنانيين
لم تخفف الأزمة المالية العالمية حدة اندفاع الساسة في لبنان في خطاباتهم اليومية البعيدة من المسألة التي تؤرق العالم. فالقصف التسييسي مستمر حتى يكاد يحجب نور الشمس التشرينية، ولبنان ليس في بال هؤلاء الساسة سوى خشبة مسرح أو منبر للخطابات اليومية المكررة والمستعادة، وكلها صخب سياسي قروي لا يفرّق بين إحصاءات الناخبين الملغومة والملف النووي الإيراني.
يتم ذلك بينما تجرى تحولات كبرى تمس بحياة لبنان واللبـــنانيين وبمصــير المنطقة في الإجمال، وقد بدأت هذه التحولات لبنانياً بأحداث أيار (مايو) الفائت واتفاق الدوحة الذي توّج مفاعيلها، ولم تنته بالإعلان الرسمي عن قيام العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وسورية. وفي الحقيـــقة فإن قيام هذه العلاقات ينبغي أن يُسجّل كنقطة مضيئة في تاريخ البلدين الشقيـــقين، وعلينا أن نحفظ اسمي وزيري الخارجية وليد المعلم وفوزي صلوخ كصاحبي التوقيعين على القرار، بعد الاتفاق الرسمي عليه بين الرئيسين ميشال سليمان وبشار الأسد وستحتاج المتابعة التنفيذية الى جهود استثنائية مخلصة من الجانبين، والى اختيار شخصيات ضالعة وضليعة بمعاني العلاقة التاريخية المتشعبة بين البلدين والشعبين، لتتولى تمثيل كل جانب لدى الجانب الآخر، فالمسألة ليست مجرد تشكيلات وظيفية كما انها ليست مدخلاً الى تسجيل نقاط، بل هي على العكس تماماً، بداية تأسيس لعلاقة كان يجب أن تقوم منذ 65 عاماً، والسفير المعتمد لدى أي مِن البلدين سيكون عليه حمل أعباء كل تلك السنوات الضائعة، وأيضاً، وهذا هو الأهم، التأسيس لعلاقات السنوات اللاحقة، والتي يجب أن تكون في حجم آمال الشعبين ومصالحهما الكبيرة والمتشعبة… والأخوية.
وبديهي القول إن الاختلاف في طبيعتي النظامين في البلدين، سينعكس على اختيار السفير ومعاونيه. فدمشق لن تلاقي صعوبة في التسمية وتحديد المهمات. أما في لبنان، وعدا عن شكليات التعيين عبر مجلس الوزراء وصدور مرسوم يوقعه رئيس الجمهورية، فإن قدرة السفير المعين في أداء أفضل تمثيل ديبلوماسي، ستعتمد على إنجاز «العلاقات الديبلوماسية» بين الأطراف اللبنانيين أنفسهم، فإذا كانت بعض البعثات الديبلوماسية عانت الكثير في السنوات السابقة، لدى البلدان التي اعتمدت فيها، بسبب الانقسامات السياسية والأهلية في الوطن، فإن البعثة العتيدة لدى سورية ستكون عاجزة تماماً، إذا لم تتوافر لها خلفية متينة في وحدة المؤسسات ووحدة القرار في لبنان، وستتحول الى شاهد عاجز يخلي الساحة أمام النمط السابق من العلاقات الحزبية والشخصية بما ينسف فكرة التبادل الديبلوماسي من أساسها.
على أن مثل هذا الاحتمال تراجعت حظوظه، والاتفاق في حد ذاته لم يأت من فراغ، بل هو حصيلة مسارات جديدة في لبنان وسورية والمنطقة عموماً، ربما يكون اتفاق الدوحة أول بشائرها.
فذلك الاتفاق لم يعقب فقط غزوات أيار (مايو) ولم يشكل نتيجة لها، بل هو جاء خلاصة عاجلة لقرار ضمني عميق بمنع تجاوز الخطوط الحمر للائتلافات الطائفية والمذهبية في لبنان، وهو قرار أسهمت المواجهات على الأرض في تثبيته، إلا أن ما فرض الالتزام به كان حصيلة توازنات إقليمية ودولية تعتبر أن تجاوز الحدود في النظام الطائفي اللبناني المتبلور على مدى نحو قرنين من الزمن، يعني إطلاق الحروب المذهبية والطائفية على مدى العالم العربي بما يدمر التجربة اللبنانية ويطيح بتوازن الأنظمة العربية القائمة.
وفي ذهن أصحاب التوازنات، ان الاندفاع المذهبي في العراق، عدا أنه يستجيب لمصالح إقليمية ودولية، فهو في الوقت نفسه محاولة من القوى والتيارات المحلية لإعادة رسم خريطة النظام السياسي المقبل انطلاقاً من نقطة غياب هذه الخارجة وعدم معرفة كل مذهب وكل طائفة بحدود حصتها في النظام. فـ «الشيعي» العراقي يخوض مواجهاته الداخلية وفي ذهنه كيف يكرس حضوره وحجم هذا الحضور، وهو ما يفعله السنّي والكردي وحتى المسيحي، ويندفع الجميع الى ساحات المواجهة، لأن الأنظمة السابقة لم ترسم حدوداً لحجم المذاهب ولحصصها، بل هي مارست باسم «وطنية وقومية وعلمانية» ديكتاتورية استندت الى نُخب في مذاهب بما لم يخفف من شعور الشرائح الأوسع بالمعاناة.
أما في لبنان، وربما يكون ذلك من حسن حظه، فقد تم ترسيم حدود حصص الطوائف والمذاهب على مـــدى عقود طويلة، خاضت خلالها هذه الطوائف والمذاهب مختلف أنواع الاحتراب والاقتتال حتى تم تحديد العلاقات في ما بينها، وانتاج النظام الطائفي في شكله الراهن. وبدأت هذه العملية مع نظام القائمقاميتين في منتصف القرن التاسع عشر وتطورت مع نظام المتصرفية (1864-1914) تم مع الانتداب ودولة الميثاق الوطني الاستقلالية، لترتدي حلتها الأخيرة في اتفاق الطائف.
الفارق بين الاقتتال في نموذجه العراقي وخط الخطر الذي بلغه لبنان في أيار، هو في أن المقتتلين في العراق ما زالوا يبحثون عن صيغة وصل اليها اللبنانيون منذ عقود طويلة، وفي لحظة الجنون (7 أيار 2008) اكتشف الراغبون بصيغ أخرى استحالة تحقيق رغبتهم، وأيقن العالم العربي ومعه كل هؤلاء الذين أسهموا في وضع صيغة الطائف أن الأمور تجاوزت حدودها فكان القرار العاجل بالذهاب الى الدوحة حيث تم تأكيد الالتزام بالطائف كأساس للمخرج الذي أدى الى انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل الحكومة الجديدة.
في هذا المعنى تكون خطوة إقامة العلاقات بين لبنان وسورية محطة ثانية أساسية في مرحلة ما بعد فشل محاولة الإخلال بـ «الصيغة اللبنانية»، وبين محطتي الدوحة والإقرار بالتبادل الديبلوماسي مسارٌ متسارع، من علاماته في الداخل اللبناني المصالحات وإطلاق الحوار الوطني، ومن علاماته في الخارج إعلان سورية أن تدابيرها العسكرية على الحدود اللبنانية تعبير عن التزامها مندرجات القرار الدولي 1701 الصادر في أعقاب حرب تموز (يوليو) الإسرائيلية التدميرية ضد لبنان.
إلا أنه مسارٌ يحتاج الى الكثير من الحرص والرعاية في الداخل كما في الخارج، فإذا كانت مخاوف الداخل حتمت تهدئة وهدوءاً فإن بإمكان احتمالات الخارج أن تعيد تعديل ما تحقق، وهنا نقطة الخطر ولحظته.