قبل أن تأتي ساعة الندم
صحيح أن اللقاء الذي طال انتظاره بين النائب سعد الحريري والسيد حسن نصرالله شكل حدثاً سياسياً مهماً وبارزاً في الظروف التي يعيشها لبنان، لكن الصحيح ايضاً أن الترحيب العارم بهذا اللقاء شكل الحدث الآخر الذي لا يقل عنه أهمية.
فقد أثبت اللبنانيون الذين هللوا للقاء على مختلف طوائفهم وأحزابهم ومذاهبهم وانتماءاتهم السياسية، إنهم أهل مصالحة ووئام ودعاة استقرار وسلام، وليس صحيحاً قطعاً أنهم قبائل غرائز وقتال وحروب وفتن.
وكما استقبل اللبنانيون بفرحة عارمة اتفاق الدوحة، الذي منع الانفجار الكبير في لبنان بعد حوادث أيار الفائت، هكذا فتحوا قلوبهم للمصالحات والتفاهمات، والتوافقات أياً تكن حدودها وطبيعتها، لمجرد انعقاد اللقاء بين زعيمين سياسيين، كادت الخلافات بينهما وبين حلفائهما ان تجرّ البلاد إلى الهلاك.
هذا الترحيب الشعبي الذي دوّت أصداؤه في أنحاء العالم، أكد مرة جديدة أن اللبنانيين يستحقون قادة وزعماء يعملون للمستقبل ويخطّطون للحياة الفضلى الكريمة، ولا يجرّون قواعدهم ومناصريهم ومحازبيهم إلى الماضي وحقباته السوداء. كما أكد، مرة أخرى، أن كل سياسة تسعى لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، هي سياسة غير مشروعة، وغير شرعية، ولو وجدت لها في ظروف التحزب والنزاعات الضيقة، مصفقين ومناصرين. فالتضليل الحقيقي هو قيادة اللبنانيين إلى الأحقاد والكراهية واللعب على الغرائز. وإذا كان من "رسالة" حقيقية وواضحة لهذا الترحيب اللبناني الواسع والحار بلقاء الحريري ونصرالله فهي رسالة إلى سائر الزعماء والقادة والسياسيين لمعرفة حقيقة مشاعر اللبنانيين وطموحاتهم وآمالهم وأحلامهم.
تقول الرسالة بوضوح قاطع أن اللبنانيين ملّوا الخطابات السياسية والإعلامية الممجوجة، وملّوا التحريض على الحقد والفتن، وملّوا التلاعب بمصيرهم وبمستقبل أجيالهم، وملّوا الوقوف صفوفاً على أعتاب السفارات…، وملّوا – خصوصاً – الكذب المتواصل والضحك على الذقون.
اللبنانيون ليسوا قبائل، لكن الفتن والحروب والسياسات الأنانية والمصالح الفئوية شوهت حقيقتهم وصوّرتهم كأنهم قبائل متناحرة عند أي إشارة من خارج أو من داخل.
واللبنانيون ليسوا "ماكينات" تحركها أزرار "الريموت كونترول"، غبّ الطلب.
واللبنانيون يرفضون كل نزعة لاستثمار آلامهم وإبقائهم "لا معلقين ولا مطلقين" وفق الأهواء والمصالح.
رسالة اللبنانيين كانت واضحة لزعمائهم، وهي استفتاء لا تحتاج قراءة نتائجه إلا إلى زعماء وسياسيين يحسنون القراءة، قبل أن تأتي ساعة الندم.