#adsense

ديبلوماسية العلاقات مع لبنان: أسئلة الى اللبنانيين أولاً

حجم الخط

«ديبلوماسية» العلاقات مع لبنان: أسئلة الى اللبنانيين أولاً

«عندما يكون الاستثناء هو القاعدة، يصبح الطبيعي حدثاً استثنائياً». ينطبق هذا القول أكثر ما ينطبق على العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وسورية التي أعلن أخيراً في الخامس عشر من تشرين الأول (أكتوبر) من العام 2008، اتفاق حكومتي البلدين على إقامتها في ما بينهما.

مع ذلك، فأن تأتي متأخراً خير من ألاّ تأتي أبداً. وتماماً، كما لم تؤد حال «اللاعلاقات» الديبلوماسية على امتداد أكثر من نصف قرن الى ما وصف دائماً بـ «علاقات مميزة» حقيقة وفعلاً بين البلدين، فليس لزاماً أن تؤدي حال العلاقات الجديدة هذه الى إلغاء فرصة «التميز» التي ستبقى متوافرة وربما حاجة طبيعية لكلا البلدين والشعبين. الاستثناء بدأ في الواقع مطلع الخمسينات من القرن العشرين عندما قررت الحكومة السورية يومها برئاسة خالد العظم القطيعة الاقتصادية مع لبنان، وتالياً إنهاء الوحدة الجمركية والعملة الموحدة، واستمر من دون مبرر عملي أو منطقي حتى أيامنا هذه. وبينما كانت كلتا الدولتين، بخاصة في المناسبات، تتحدث عن بلدين شقيقين يعترف أحدهما بالآخر، وعن وشائج التاريخ والجغرافيا وعلاقات القربى بين العائلات والشعبين، وصولاً الى عبارة الرئيس الراحل حافظ الأسد المشهورة عن «شعب واحد في دولتين»، فلم تنشأ مع ذلك كله علاقة صحية – أو حتى مجرد علاقة صحيحة – بين البلدين منذ ذلك التاريخ.

طوال تلك الفترة، كان بعض اللبنانيين يتحدث عن الحاجة الى إقامة علاقات ديبلوماسية تجسيداً للواقع، وربما تأكيداً للاعتراف المتبادل، وكان البعض الآخر يلتزم الصمت تمشياً مع موقفه القومي المبدئي من الوحدة العربية الشاملة وإسقاط الحدود بين الدول، بينما كانت «العلاقات» الواقعية بين البلدين تتدهور مرحلة بعد مرحلة… من الهيمنة من وراء الحدود الى الوصاية الجزئية ثم الى الوصاية الكلية في السنوات الأخيرة. كان مجرد ذكر كلمة علاقات ديبلوماسية أو تبادل سفراء يصل، حتى لدى بعض اللبنانيين، الى حد الاتهام بالخروج على العروبة فضلاً عن التاريخ والجغرافيا. في المقابل، كانت أنظمة الحكم في سورية تمعن في التورط في شؤون لبنان الداخلية، سياسياً وأمنياً وعسكرياً وحتى اقتصادياً – اجتماعياً بما أوصل الأمور الى ما وصلت اليه في العام 2005: حركة 14 آذار (مارس)، خروج القوات السورية من لبنان، ثم أخيراً إقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين.

بهذا المعنى يكون الخامس عشر من تشرين الأول يوماً «تاريخياً» بالفعل… تاريخياً، بالنسبة الى سورية، بصفته أشبه بالثاني من آب (أغسطس) العام 1990 الذي غزا فيه جيش صدام حسين الكويت فقلب الأوضاع في المنطقة والعلاقات بين البلدين رأساً على عقب، وتاريخياً بالنسبة الى لبنان بصفته يؤكد استقلاله التام والناجز ليس عن دولة سورية فقط وإنما عن قدرة النظام فيها على التدخل – بموجب القانون الدولي على الأقل – في شؤونه الداخلية.

الفارق بين اليومين – التاريخين، أن أولهما (غزو الكويت) حاول إلغاء تاريخ من العلاقات الطبيعية بين دولتين سيدتين، بينما لا معنى للثاني إلا أنه يقيم علاقات طبيعية بين دولتين لم تقم علاقات سوية بينهما على رغم استقلالهما معاً عن الأجنبي قبل أكثر من نصف قرن. هذا عن الخامس عشر من تشرين الأول، لكن ماذا عن يوم غد؟!

من الطبيعي أن يحمل المستقبل كثيراً من علامات الاستفهام التي سيكون على اللبنانيين أولاً، ثم على السوريين بعد ذلك، الإجابة عنها لكي تستقيم علاقات التاريخ والجغرافيا بين البلدين والشعبين… فلا تعود الى سيرتها الأولى من جهة ولا تتحول العلاقات الديبلوماسية الى مجرد رفع علم كل دولة في عاصمة الدولة الأخرى من جهة ثانية.

من بين هذه الأسئلة يمكن إدراج ما يأتي:

> هل كان التدخل السوري، السري منه والعلني، الناعم منه والخشن على حد سواء، ممكناً وفعالاً في شؤون لبنان الداخلية لو لم يكن اللبنانيون – أو لبنانيون – قابلين به أو مستعدين له، وهل يجوز لأحد توهم ان ما بعد إقامة العلاقات الديبلوماسية وتبادل السفراء بين البلدين يمكن أن يكون مختلفاً عما قبلهما؟!

إذا كان مطلوباً من سورية، أو من نظام الحكم فيها، إعطاء جواب عن جانب من هذا السؤال، فالمطلوب من لبنان – نظام حكم وطبقة سياسية وأحزاباً وطوائف – إعطاء جواب عملي عن جانبي السؤال معاً وفي وقت واحد.

> هل كانت «عروبة» بعض اللبنانيين، الزائدة عن حدها في بعض الأحيان، و «لا عروبة» بعضهم الآخر، الزائدة عن حدها كذلك في بعض الأحيان، أو هما التاريخ والجغرافيا بدورهما عندما وقف جزء من اللبنانيين ضد الاستقلال عن فرنسا بينما وقف جزء آخر مع الوحدة مع سورية، ما جعل أنظمة حكم عدة في سورية – وليس حكم «البعث» فقط – تفقد البوصلة في طريقة تعاملها مع لبنان في مرحلة ما بعد نيل البلدين استقلالهما عن فرنسا في الأربعينات من القرن الماضي؟!

واستطراداً، هل تغير الوضع بعد هذه السنوات، والى أي حد وعلى أي مستوى، إن في لبنان من جهة أو في سورية من جهة ثانية ؟!.

> أم هو هزال النظام اللبناني، وعجز طبقته السياسية وأحزابه وتياراته ومكوناته الطائفية عن ابتداع حلول لمشكلاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل أبواب لبنان النظام والشعب ليست مخلّعة أمام الخارج يدخل منها ويخرج كما يشاء فقط بل مخلعة أيضاً أمام الداخل نفسه يبحث خارج الحدود عمن يحميه أو يقدم له المساعدة؟!

واستطراداً كذلك، هل تؤدي إقامة علاقات ديبلوماسية مع سورية – حتى لا نتحدث عن علاقات لبنان مع الدول الأخرى في العالم – الى وضع حد لهشاشة النظام في لبنان، وتالياً سد أبوابه المخلّعة أمام الخارج والداخل على السواء؟!

هذه الأسئلة، وغيرها، لا تعني في أي حال تبرئة سورية (تحديداً، نظام الحكم القائم فيها) من المسؤولية عن كثير مما شهده لبنان في المراحل الماضية، ولا تعني أساساً أن قرارها إقامة ديبلوماسية مع لبنان قد فتح صفحة جديدة مختلفة كلياً أو جزئياً، إلا أن من شأنها في أقل تقدير أن تفتح العيون، العيون اللبنانية والعيون السورية معاً، على مستقبل قد يكون كذلك.

فمن نافل القول إن سورية قدمت ورقة العلاقات الديبلوماسية هذه الى فرنسا، وغيرها من دول العالم طبعاً، عربوناً لتفكيك جدران العزلة السياسية والاقتصادية العالية التي أقيمت من حولها دولياً وعربياً، وأنها، على رغم ذلك بل وفي التوقيت ذاته، تستدعي الى عاصمتها يومياً «أصدقاء» لها في لبنان تحت عنوان مساعدتهم والتنسيق معهم لاجتياح الانتخابات النيابية في الربيع المقبل، وأنها، في خضم الحدث الديبلوماسي «التاريخي» هذا، تحرك قواتها المسلحة بأعداد كبيرة الى الحدود مع لبنان تحت شعار مواجهة «مخاطر كيانية» تهب عليها من منظمات إرهابية توجد وتعمل ضدها من داخل الأراضي اللبنانية. لكن ذلك كله لا يمنع، بل هو يوجب على، اللبنانيين تحديداً، وعلى اللبنانيين قبل السوريين، أن يقدموا إجابات عملية عن الأسئلة السابقة إذا كان لهم أن يفتحوا صفحة جديدة مختلفة عما كان في الماضي، ما بينهم من جهة وبينهم وبين سورية من جهة.

… فـ «ديبلوماسية» العلاقات بين لبنان وسورية، هي غير العلاقات الديبلوماسية الرسمية التي اتفق على إقامتها بينهما.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل