#adsense

التحرك المصري: استطلاع وتحذير وتأكيد ثوابت

حجم الخط

استعادة سوريا للصف العربي دونها جحرٌ لدغوا منه "ألف مرة"
التحرك المصري: استطلاع وتحذير وتأكيد ثوابت

أكدت مصادر ديبلوماسية عربية أن زيارة نائب رئيس الاستخبارات المصرية اللواء عمر قناوي الى لبنان ولقاءاته مع المسؤولين والقيادات السياسية في هذا البلد، إنما تأتي في إطار الاهتمام المصري الثابت بمتابعة الوضع اللبناني عن قرب، وفي سياق تأكيد دعم الدولة اللبنانية وتعزيز استقلالها وسيادتها ومؤسساتها الشرعية ورفض أي تدخل خارجي في شؤونها الداخلية، نظراً للمكانة الخاصة التي توليها القاهرة للنموذج اللبناني وسعيها الى تثبيت المصالحات على اعتبار لبنان مفتاحاً لانتظام الصفّ العربي ومدخلاً لانفراج العلاقات العربية ـ العربية.

ونبهت هذه المصادر الى ضرورة عدم اجتزاء زيارة المسؤول الأمني المصري من خلال قراءتها من زاوية أمنية فقط، وشددت على أن ما طرح خلالها من أفكار ورؤى لا ينفصل عن مسار العلاقات المصرية – اللبنانية في السنوات الأخيرة لناحية تأكيد دعم لبنان، دولة وصيغة ومؤسسات، داعية الى عدم إعطاء الزيارة بعداً أحادياً: سياسياً أم أمنياً أم استطلاعياً، إذ حضرت كل هذه العناوين في خلال اللقاءات التي أجراها الموفد الرئاسي المصري في بيروت.

استطلاع دون توجيه دعوات

وإذ لفتت هذه المصادر الى أن الموفد المصري لم يحمل اقتراحات معينة، أشارت الى أنه حرص بتوجيه من القيادة المصرية على استطلاع مختلف الآراء السياسية اللبنانية من مختلف الملفات والاستحقاقات المطروحة، كالحوار الوطني والانتخابات النيابية ووضع مزارع شبعا، مقابل نقله رسالة مصرية واضحة بدعم مسار تعزيز السلم والمصالحة واستعادة دور المؤسسات في لبنان، معتبرة أن المروحة الواسعة من اللقاءات التي أجراها اللواء القناوي والوفد المرافق له والتي شملت أطياف المجتمع السياسي اللبناني كافة، كما أطياف الشارع السني، إنما تعكس مؤشراً بأن الدور المصري لن يخرج عن شرط الحياد في تعامله مع الوضع اللبناني، وإن كان قريباً من موقف سياسي معين، وأنه لن يكون طرفاً في أي صراع داخلي ضد أي طرف.

المصادر الديبلوماسية ترى في الحديث عن توجيه دعوة خاصة لقيادة »حزب الله« لزيارة القاهرة للقاء مسؤولين مصريين »مجرد اجتهادات لبنانية محضة«، وتؤكد أن اللواء القناوي لم يحمل دعوات الى أي جهة سياسية لبنانية، وإن أكد أن أبواب مصر مفتوحة دائماً للبنانيين، وهي ترحب بكل القادة السياسيين في أي وقت.

وفيما تلفت هذه المصادر الى أن القيادة المصرية التي كانت أوفدت وزير خارجيتها أحمد أبو الغيط قبل فترة محذراً من مغبة استمرار الانقسام الداخلي والتوترات الأمنية التي تتسم بطابع مذهبي، كررت عبر الوفد الأمني مضمون رسالتها السابقة بأن ثمة معطيات وتطورات إقليمية يجب أخذها في الحسبان وضرورة التحرك لاستدراك أي أمر من شأنه هزّ الاستقرار الداخلي، وأنه نقل ارتياحاً مصرياً إزاء المصالحات التي جرت وتجري، وخصوصاً لقاء رئيس »تيار المستقبل« النائب سعد الحريري مع أمين عام »حزب الله« السيّد حسن نصر الله، وشدد على أهمية تعزيز هذه الخطوات وضرورة تعميمها.

وحول ما إذا كانت زيارة قناوي الذي غادر بيروت تاركاً بعضاً من أعضاء الوفد الذي رافقه لمتابعة بعض التفصيلات، عرضت لاستحقاق الانتخابات النيابية، تجيب هذه المصادر: »وهل في لبنان راهناً حديث إلا حديث الانتخابات النيابية«، لكنها تستدرك مؤكدة أن الموقف المصري هو ليس التدخل في الانتخابات بمقدار ما هو التشديد على سلامة العملية الديموقراطية باعتبارها مدخلاً لانتاج الشرعية الوطنية التي ستحدد مؤشرات إدارة المرحلة المقبلة.

المصادر نفسها لا تخفي أن التحرك المصري غير منفصل عن تطورات اقليمية أبعد من الشأن اللبناني المحض، لكنه لا يخرج عن إطار الثوابت المصرية باتجاه دعم استقلال لبنان، وتتوقف عند دلالات ايجابية حملتها تصريحات وزير خارجية المملكة العربية السعودية الأمير سعود الفيصل باتجاه سوريا إذ اعتبر أن علاقة الرياض بدمشق لا تحتاج الى وسطاء، أما ما سيترتب على هذا الحراك »فمقبلات الأيام كفيلة بكشفه« تختم المصادر الديبلوماسية العربية.

استعادة سوريا: بين الحقيقة والوهم

القراءة السالفة في شقها المتعلق بمؤشرات تطور العلاقات العربية ـ العربية تقابلها قراءة أكثر تحفظاً لمصادر سياسية لبنانية، تنطلق من استحضار مشهد التأزم العربي الذي كانت ذروة تجلياته غياب زعماء عرب أساسيين في طليعتهم خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس المصري حسني مبارك عن القمة العربية في دورتها العشرين التي انعقدت في دمشق في شهر آذار الفائت، اعتراضاً على الدور السوري السلبي في لبنان الذي كان أفضى ـ وقتها ـ الى إفراغ منصب رئاسة الجمهورية واستحكام الأزمة السياسية فيه، وما تلا ذلك من مواقف ومحطات أوصلت المنطقة العربية، أو أجزاء منها، الى ملامسة مخاطر الانفجار الداخلي نتيجة سياسات النظام السوري المباشرة أو بتسهيل منه.

هذه المصادر تقول إن حمأة السباق الى البيت الأبيض قطعت ولم تنه مناقشات في أكثر من دائرة بشأن احتمالات الصراع وميادينه، بعدما كانت وصلت هذه المناقشات، أميركياً وإسرائيلياً، الى مرحلة التساؤل عن توقيت هكذا خطوة وأطرافها ليس إلا. وتأسيساً على ذلك فإن العرب الكبار ـ السعودية ومصر ـ لا يسلمون بهذه النظرية، ويرون أنه مع ما يقوله الأميركيون والإسرائيليون ومع ما يدعيه الإيرانيون، فإن تجنب الصراعات المدمرة في منطقتنا لا يزال ممكناً إذا أمكن إنهاء حالة الانقسام والابتزاز الناجمة عن التدخلات الدولية والإقليمية في المنطقة، خصوصاً في فلسطين والعراق ولبنان.

أصحاب هذا الرأي يقولون ـ أو بكلام آخر يراهنون ـ أنه إذا كان التأثير على »المتدخّلين« صعباً ويستغرق وقتاً ويتطلب سياسات وإمكانات، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة للنظام السوري. هذا النظام الذي عمل منذ تسعينات القرن الماضي »أداة« أو »مخلب قط« للجهات الدولية ثم الإقليمية للتوتير واستجلاب الفوضى. فإذا أمكن ـ بحسب هؤلاء ـ إقناع هذا النظام بالعودة الى الصف العربي فإن الأمور في فلسطين ولبنان والعراق ستكون أسهل كثيراً لمواجهة تحديات الانقسام الداخلي في هذه البلدان الثلاثة، وعليه سيكون من الصعب على الأميركيين والإسرائيليين الولوج الى الساحة العربية من مداخل وثغرات الانقسامات الداخلية، كما سيكون من الصعب أيضاً استدراج متدخّلين آخرين لممارسة العدائية الحقيقية لهذين الفريقين على الأرض العربية، سواء من الإيرانيين أو التنظيمات الراديكالية على اختلافها.

لكن هذه »الرؤية« على تفاؤليتها ترى أن على النظام السوري مترتبات أيضاً لمباشرة العودة الى الصف العربي، منها وقف المساهمة في ضرب الاستقرار الداخلي (أو تسهيله)، وإنهاء حالات الانقسام في البلدان العربية الثلاثة، تطوير المبادرة العربية للسلام التي أقرّتها قمة بيروت في العام ، إنهاء التسلل الإيراني، أو تخفيفه، باتجاه البلدان العربية بما يجعل منها ساحات مهيأة للاستخدام عند اندلاع الصراع أو مراكز للفوضى المنظمة.

غارة البوكمال والعري القومي

في المقابل، ثمة من يرى في هذه الحسابات »توهمات« سراب دونها تجارب مرّة تكررت سابقاً مرات ومرات، فسوريا ما قبلت التنازل ووقف التدخل المباشر أو بالوساطة في البلدان الثلاثة المذكورة، وهي رفضت وساطات كثيرة أو كانت تتعامل مع المساعي العربية والدولية بسياسات اللعب على الألفاظ والإفادة من عامل الوقت أو الانصراف الى المراهنة على الانقسامات والتناقضات الداخلية في كل بلد من هذه البلدان، بما زعزع استقرارها وعمّق انقساماتها الداخلية واختلافاتها السياسية.

فسوريا تكتفي بحرق جبهات الآخرين بينما تبقي جبهة الجولان هادئة. أليست مفارقة مستغربة أن تكتفي دمشق مثلاً بإرسال رسالة الى الأمم المتحدة تستنكر فيها الإنزال الأميركي في منطقة البوكمال الحدودية مع العراق من دون تقديم شكوى أو طلب إجراءات أو تحقيق دولي بما جرى، ثم تكتفي بإقفال مدرسة ومركز ثقافي أميركيين؟ أليس مستغرباً أن يكون الرد السوري الرسمي الحاسم، في مراحل سابقة، على تحليق الطائرات الإسرائيلية فوق القصر الرئاسي السوري في اللاذقية وقصف مواقع سورية في لبنان وداخل سوريا قبل سنوات، ثم قصف مركز في منطقة دير الزور للاشتباه بكونه مركزاً لأبحاث تطوير الأسلحة الذرية، هو أن دمشق »تحتفظ لنفسها بحق الرد« بحسب المقولة الشهيرة لفاروق الشرع نائب الرئيس السوري؟

لكن في المقابل، تقول الأوساط السياسية، إن ما يسعى إليه العرب الكبار أكبر من ذلك وأوسع من أن يتوقف عند هذه المسائل، إنهم يطمحون من وراء عودة النظام السوري الى الصف العربي أن يخرج من موقع »العري القومي« وأن يساعد ذلك في لملمة الجراح في عدد من الدول العربية، وقبل ذلك وبعده أن تُخرج سوريا نفسها من عين العاصفة، وتقي شعبها وجيرانها الحروب والأزمات ليجري بعد ذلك التفرغ لإدارة التسوية المفيدة على قاعدة المبادرة العربية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل