حكماء كالأفاعي!
اختارت دمشق اهون الشرور في الرد على تداعيات الانتهاك الأميركي لسيادتها ! والاغارة التي نفذتها المروحيات على هدف محدد في منطقة " البو كمال " عند الحدود السورية – العراقية ، وعدا عن اللازمة السورية المعهودة والتي تهدد بالرد القاسي في حال تكرار العملية !! ولا تعطي اسباباً لعدم التنفيذ راهناً ، على الرغم من ان المغيرين اخذوا وقتهم كاملاً واتاحوا للهواة ان يصوّروا على هواتفهم النقالة تفاصيل العملية ! والمغادرة الآمنة بعدها دون ان تُطلق على الطائرات الاميركية … ولو رصاصة واحدة !
وأهون الشرّين سورياً كان الاستعانة بـ " ناس النظام " للتظاهر في شوارع العاصمة ضد العملية ! وقد شارك منهم اعداد متواضعة جداً في بلد تعداد سكانه تجاوز الـ 17 مليون نسمة ! وكان لافتاً ان المتظاهرين هتفوا بحياة الرئيس الأسد ورددوا معزوفة " الموت لأميركا " وشاهدهم ملايين الناس في كل اصقاع العالم يحرقون علماً اميركياً صغير الحجم ! ويرفعون يافطات كتب عليها " لا خيار الا خيار المقاومة ! " مع ان سوريا لم تقارب هذا الخيار منذ حرب العام 1973 ! قبل ان ينصرفوا بهدوء الى منازلهم … بعد ان ادووا قسطهم للعلى ، وظهر ان ما فعلوه كان عملاً مدبراً وممسوكاً منذ لحظته الأولى وحتى انتهاء مفاعيله بسلام !
والغارة الأميركية على سوريا جاءت فاصلة بين مرحلتين تميّزت الأولى بـ " اغتيالات متفرقة " ولكن لافتة في من استهدفتهم كالقيادي في حزب الله عماد مغنية ! واللواء محمد سلمان ! وصولاً الى السيارة المفخخة التي انفجرت في العاصمة السورية ! والاشتباك مع خلية مخيم اليرموك ! وقد اعقبهم جميعاً كلاماً سورياً عن انتشار السلفية الاصولية في شمال لبنان ! واعلان دمشق انها اتخذت كل التدابير لمواجهتها وأهمها انتشار فرقة سورية معززة عند الحدود ! اما بعد الغارة فقد اتخذت سوريا تدابير مشددة عند المعابر واخضعت الشاحنات لتفتيش قاسٍ وشديد ! تزامن مع الاعلان عن تبليغ القيادة العسكرية اللبنانية ان الانتشار شرقاً قد بدأ ! وان هدفه ضبط الحدود مع لبنان على النحو الذي تمّ سابقاً !
وبالتزامن مع كل المرحلة المذكورة ، فإن " بروفا " تمرد ثانية سجلت في سجن رومية الذي يضم الضباط الأربعة المشتبه بهم في عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ! ورغم ان لا معطيات تؤكد الترابط بين كل هذه الأمور ، فإنها تحدث في وقت تتردد معلومات عن قرب بدء المحكمة الدولية عملها في هولندا وعن نقل المتهمين الى هناك تمهيداً لمثولهم امامها ! وهذا قد يؤدي بحسب المعطيات المتوفرة للوصول سريعاً الى اركان " عاليي الرتبة " في النظام السوري بما يثبت ان جريمة العصر تمت بتخطيط وآوامر من رأس هذا النظام ! وهنا اصل الحكاية وفصلها منذ 14-2-2005 وحتى ايامنا الراهنة !
وكانت صحيفة عربية قد اوردت امس ان الغارة الأميركية جاءت استباقية لمنع اجتياح محدود للقوات السورية لمنطقة لبنانية ! بهدف استغلال المرحلة الانتقالية عالمياً واقليمياً (الانتخابات الاميركية والاسرائيلية) في عملية ابتزاز سورية للعالم ذات طابع شمولي : تبدأ بالمحكمة الدولية ولا تنتهي بدور منفوخ لسوريا على مستوى المنطقة ككل !!
واذا سلمنا جدلاً بهذه المعطيات ، وبما كان قد تردد عن ان مبرر الدخول السوري سيكون عملية امنية او عملية اغتيال كبيرة ! تعطي دمشق سبباً للعودة الجزئية الى لبنان ، فإن سيناريو اكبر قد يكونوا اوسع ! ويتضمن دخولاً في الوقت الضائع المحدد من جهة ، وتمرداً واسعاً في سجن روميه من جهة ثانية ! يسمح بإخفاء الحلقات اللبنانية الأساسية قبل المحكمة ! ويجيز تالياً تسوية كل الملفات على قاعدة ان تتحمل الأصولية المسؤولية كاملة ! ولا يتحملها من " ربى ورعى " مسيرة نموها ومن اخفى قادتها واسرارهم من " شاكر العبسي " الى رأس خلية جوهر وما بينهما ايضاً !
ويبقى ان سوريا بشار الأسد الذي تعلم من والده ان بقاء النظام هو الأهم ، يعرف كيف يحني رأسه امام العواصف ويتصرف في مواجهتها بـ " حكمة الأفاعي " وفق مخططات متبدلة ومتغيرة في العراق وفلسطين ! ولكنها ثابتة واستراتيجية في لبنان وحده … وهنا الطامة الكبرى !! .