#adsense

جدير بالاحترام

حجم الخط

جدير بالاحترام

شعارٌ جديد دخل بهدوء ولكن بإصرار، على المشهد اللبناني يا إخوان. هو تنظيم الخلاف السياسي. وهو بالطبع وبالتأكيد شعار يستأهل التمحيص والتدقيق والضرب بالرمل لمعرفة ماذا يعني، خصوصاً إذا قُبضَ عن جد.

إذ يُفترض من حيث المبدأ، اننا نعيش في بلد لديه مؤسسات متخصصة ترعى كل شأن من شؤونه التشريعية والتنفيذية والأمنية والعسكرية والقضائية والإعلامية والاجتماعية، وغير ذلك من النواحي التي تشكل عروة وثقى تؤسس لكيان الدولة كما يعرفها جميع بني البشر في هذا العصر.
ويفترض من حيث المبدأ والمؤخر، وفي الشكل والجوهر والاصل والاساس، ان الخلاف السياسي جزءٌ لا يتجزأ من أي نظام مهما كانت طبيعته: في دول الحزب الحاكم، يُنظَّم الخلاف السياسي بالاحتكام الى الامين العام، وفي دول النظم البرلمانية يُنظَّم الخلاف بالاحتكام الى السلطة التشريعية ويُنفس في وعائها كل جدل ونقاش ونتف شعر، وتتولى السلطة التنفيذية، أي الحكومة ورئيسها الاعلان عن قرار يكون ترجمة لتوافق المختلفين والمتناقشين ونقطة على السطر… وفي الأنظمة الرئاسية لا يختلف الحال كثيراً سوى ان للرئيس سلطة تقريرية أرفع من باقي السلطات. أما باقي أجزاء القصيدة فتفيد ان الخلاف جزء من طبيعة البشر. كل واحد عنده رأيه، وكل واحد يعتقد بصوابية ذلك الرأي.

طبعاً يا إخوان، نحن نتحدث هنا عن جمهورية قريبة بعض الشيء من تلك التي حَلِمَ بها أفلاطون وربعه. ونتحدث عن دول في العالم الآخر لا صلة لها بتركيبة دولنا ولا بتراثها وموروثاتها، ولا بتكويناتها وتفاصيلها الدينية والقبلية والعشائرية والعائلية. دول فعلية، حقيقية قائمة أمامنا ونحاول تقليدها في الكثير من آليات عملها. أما في حالتنا، فإن الباب يُقفل دون الولوج الى الاساسيات. إذ اننا، وقبل الناحية النظرية المخطوطة على الورق، نبحث في شأن عملي لا علاقة له بأي توصيف سبق ذكره. نحن بمعنى ما شبه دولة، فيها حالات تشبه الاحزاب، معارضة تشبه الموالاة، وموالاة تشبه المعارضة، وطوائف ومذاهب تعيش في كتب تاريخها، وتمارس عملها اليومي وفقاً لكتب أخرى وضعها بشر افترضوا يوماً انهم يكتبون شيئاً يسمى »الدستور« ولكل الناس.

ولأن تلك الجماعات، شبه الحزبية، وشبه الطائفية وشبه المذهبية وشبه المعارضة وشبه الموالية، تعيش في شبه دولة وفي ظل ذلك الالتباس والابهام، فهي دائمة الخلاف ودائمة الخوف ودائمة التسليح وتعيش دائماً في ما يشبه الحرب… تارة تكون باردة وطوراً تكون ساخنة، لكنها (الحرب) دائماً موجودة وتحتاج بالتالي الى تنظيم، أي تحتاج الى ذلك الشعار الطنَّان الفخم الآتي حديثاً لينضم الى كتاب الاحاجي اللبنانية إياه.

لكنه مع ذلك، وبرغم كل تلك الفذلكة المسوّرة بهناء الاستقرار الامني، شعارٌ جدير بالاحترام والتقدير. وأعتقد وأفترض انه شعار آتٍ من نية حسنة رغم توسله الاحتيال على اللغة… تنظيم الخلاف السياسي يعني إبقاء »الحرب« في دورتها الباردة الى أطول فترة ممكنة. وهذا لعمري ووجداني وضميري، شعارٌ يستحق التحية والعمل بموجبه حتى قيام الساعة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل