"أخبار" مسمومة عن أصولية مزعومة
أسئلة عديدة يمكن لأي متابع فطن أن يطرحها بعد فراغه من قراءة التحقيق “المحبوك” بعناية في مطابخ جريدة “الأخبار” اللبنانية، والمنشور على صدر صفحتيها الأولى والثانية، عما يسمى الأصولية الدرزية الصاعدة بعد أحداث 7 أيار، وعن تعدد مراكز القوى والانقسامات الحادة داخل الصف الدرزي لا سيما بين وليد جنبلاط وهذه المجموعة الأصولية. ولعل السؤال الأول والتلقائي الذي يثيره هذا التحقيق هو: هل ثمة أبو عدس آخر يحضّر للبنان انطلاقاً من الجبل؟
بعد قراءة التحقيق المذكور بعقل بارد وتمعن بوسع أي متابع أو مهتم أن يكتشف بأن هذا “السبق الإعلامي” ليس سوى حلقة من حلقات مسلسل جريدة “الأخبار” في ما يتصل بالموضوع الدرزي الذي لا تعدم هذه الجريدة مناسبة إلا وتتناوله بخلفية معروفة ولأهداف غير مجهولة. وأكثر من يعرف توجه “الأخبار“ وموقفها من الموضوع الدرزي في السياق الوطني العام، هم قراء “الأخبار” أنفسهم، الذين يدركون تماماً أن “الأخبار” شكلت طوال الفترة الماضية منبراً للكتبة المعروفين ضد وليد جنبلاط وقوى 14 آذار، ومنصة لزرع الفتنة بين الموحدين من خلال الدعاية لشخصيات وتيارات درزية غير وازنة، والترويج لانشقاقات وصراعات مزعومة داخل الحزب الاشتراكي باسم الإصلاح تارة والثورة على الإقطاع والفساد تارة أخرى.
الأخبار المسمومة عن أصوليات مزعومة هي بدعة درجت على تعميمها في البيئة الإسلامية السنية جهات معروفة. وكانت البداية اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري من خلال أبو عدس ومن ثم في أعقاب أحداث مخيم نهر البارد، وفي الفترة الأخيرة ما أعلنه الرئيس السوري عن الخطر الأصولي في شمال لبنان. ومن الواضح أن استخدام ظاهرة الأصولية ووصم بعض الجماعات بها، أصبح وسيلة شائعة تستخدمها الجهات المعروفة داخل البيئات غير المتفقة معها لهدفين: الأول ممارسة فعل التصفية المادية والمعنوية باسم المجموعات الأصولية والثاني إحداث الشرخ والفتنة بين أبناء البيئة أو الطائفة الواحدة.
الأخبار عن صعود الأصولية وسط البيئة الدرزية، تكتيك لا يشذ عن القاعدة التي سبق ذكرها، وهو تكتيك أثبتت جريدة “الأخبار” في أكثر من مناسبة “جدارتها” باستخدامه و”مؤهلاتها” بتغطية نتائجه وتمويه تداعياته. وإذا كان مبرر “الأخبار” في صعود الأصولية الدرزية حركة التسلح التي شهدها الجبل أثناء أحداث 7 أيار ومحاولة إخضاع الجبل، فإن ما يبرر تلك الحركة هو منطق الأحداث والشعور بخطر وجودي انتاب الأغلبية الساحقة من أبناء طائفة الموحدين المقيمين منهم والمغتربين ولم يكن مصدر هذه الحركة نزعة أصولية لا من قريب ولا من بعيد. فمن يقرأ كتاب الأديب سلام الراسي، كاتب الأمثال الشعبية وغيره ممن وصفوا بدقة طبائع الجماعات اللبنانية، يدرك أن اقتناء السلاح والمحافظة عليه، هو صفة ملازمة وتقليد تربى عليه بنو معروف على مر الأجيال، ولا يمكن اعتبار ظاهرة السلاح عندهم دليل أو مؤشر على نزعة أصولية أو عدائية ضد أحد، على غرار ما حاول “حائك” خيوط التحقيق المذكور الايحاء به.
لم تكتفِ مجموعة كتبة ولـ“الدروز أيضاً أصولية” بمحاولة وصم الدروز بالأصولية، بل حاولت بكل جهد الايحاء بعدوانية هذه الطائفة وعزلة أبنائها في الجامعات وأماكن العمل المشتركة مع الآخرين، وكرههم ليس لطائفة محددة بل لكل المجموعات الطائفية الأخرى. وما الحديث عن الانقسامات والانشقاقات داخل الصف الدرزي وتعدد المرجعيات الدينية والروحية سوى محاولة جديدة لإثارة العصبيات وزرع الفتنة بين أبناء الطائفة بعد أن استطاع قادة الطائفة وحكماؤها إحباط المحاولات السابقة.
ويبقى “التركيز” الذي ورد في أكثر من مكان في التحقيق عن الانقسامات والصراعات داخل “الحزب التقدمي الاشتراكي“ وشتائم وتخوين المجموعة الأصولية المزعومة لوليد جنبلاط واتهامه بالجبن والتخاذل، وإصرار هذه المجموعة على التسلح عكس إرادته وتوجهاته نحو التهدئة والمصالحة. ترى ألا يستحق كل هذا التركيز المدروس والمسموم وكل هذه الايحاءات الخبيثة التنبه والحذر والتساؤل عما يحضرّ للبنان مجدداً من خلال استهداف الجبل وقادته وأجاويده؟!