#adsense

زمن المصالحات

حجم الخط

زمن المصالحات

لا يملك اللبناني إلا أن يشعر بالفرح في زمن المصالحات. حشود من كل اتجاه وميل تلتقي وتتعانق. شعارات الوحدة الوطنية تحلّق في الاجواء. كأن المجلس لم يقفل، ولا الخيم نصبت، ولا 14 ولا 8 آذار، ولا حتى 7 أيار، ولا مقاطعة، ولا اتهامات بالعمالة والتخوين من هنا وهناك. كأن شيئاً لم يكن. حب جارف مفاجئ يدب في اوصال الوطن، حتى تكاد تحسب أن «الآخرين» اياهم، الذين افتعلوا الحرب الاهلية السابقة، هم الذين كادوا يدفعونه الى حرب جديدة، قبل اشهر قليلة، من غير ان يكون له يد فيها او سبيل الى ردها!

كي لا يساء الفهم، لسنا ضد هذا الحب. فهو يساعد على دفع الدفء في الشرايين في هذا الزمن البارد. كل همنا هو ان ندرك ما الذي تغير في عتمة ليل مر بنا من دون ان نلحظه، فحصل هذا الانقلاب في العواطف. فصار فلان يحل ضيفاً كريماً في الضاحية الجنوبية، وفلان الآخر يحل زائراً في المقلب الآخر من ساحة الشهداء. صار البلد مفتوحاً على بعضه، وكأن هاجس الاغتيالات المتنقلة اختفى من الذاكرة ومن الهم السياسي. ما الذي تغير حتى صارت الخلافات السياسية عوارض صحية، لا تستدعي قتل من يخالفك الرأي او لا يأتمر بصورة زعيمك؟ مثل العوارض التي تصيب دولاً اخرى، حيث يختلف الناس في آرائهم ومواقفهم، ثم يذهبون الى علبة يسمونها صندوق الاقتراع، فيفرغون فيها اختيارهم ويذهبون الى بيوتهم.

هل بات وضعنا هكذا؟ «نختلف سياسياً لكننا لن نصبح اعداء»، كما يقول نائب الامين العام لـ «حزب الله» الشيخ نعيم قاسم. واذا كان الامر كذلك، فمن الذي سيحدد بعد اليوم معيار الوطنية، ومقياس المدى الذي «يُسمح» فيه لهذا الخلاف السياسي ان يصل؟ ومن الذي سيقرر اين ينتهي الموقف السياسي واين تبدأ «الخيانة»؟ واذا كان الامر كذلك، فلماذا لا يزال بعض الخيارات الاستراتيجية (مثل سلاح المقاومة)، ممنوعاً على النقاش، باعتبار ان النقاش فيه لا يخدم «المصلحة الوطنية»؟

مرت بلبنان من قبل فترات من الحروب الأهلية، تخللتها لفحات مودة وتقارب. لم تكن الانتكاسات تحصل في غفلة ومن دون سبب، كما يشاع في الزعم العام. كانت الانتكاسات تحصل لأن التكاذب كان سيد المصالحات. كان كل فريق يتحين الفرصة المناسبة للانقضاض من جديد، لأنه يشعر بأن الفرصة الحالية ليست مناسبة إلا… للمصالحة.

لا يوفر المناخ الحالي في لبنان فرصاً كبيرة للتفاؤل. لا التباعد في المواقف من قضايا الخلاف الاساسية تقلص، ولا الانعكاسات الاقليمية على المشهد الداخلي تراجعت. واذا كان من نقطة امل في زمن المصالحات هذا، فهو انها قد تكون فترة من الهدنة تحضيراً للانتخابات النيابية في الربيع المقبل، والاستعدادات التي يقوم بها كل فريق قبل ذلك، خصوصاً في ظل الشعور العارم بأن ما يلي الانتخابات سيشكل نقطة انتقال مهمة بالبلد من خيار استراتيجي الى خيار آخر.

رغم ذلك، من المؤسف ان يكون النائب ميشال عون في غفلة عن زمن المصالحات هذا. لا الحياد مقبول في قاموسه ولا الخلاف في الرأي مسموح. حبذا لو تنتقل عدوى المصالحات اليه، على الاقل اسوة بـ «حليفه الاستراتيجي». حبذا لو يستطيع «تفاهمه» أن يشمل خصومه السياسيين على الساحة المسيحية، اقتداء بشريكه «حزب الله»، الذي لم يعد يمانع، فيما يبدو، في «ان لا يستأثر فريق على حساب الآخرين». هل يستطيع عون ان يقتنع اخيراً بأن الساحة المسيحية تتسع للجميع، وان مواقفه قد تحتمل الصواب حيناً، لكنها يمكن ان تحتمل الخطأ أحياناً أخرى؟

المصدر:
الحياة

خبر عاجل