#adsense

لماذا لا يتوحّد الزعماء المسيحيون على لبنان الدولة لا الساحة؟

حجم الخط

منعهم من المصالحة يبقيهم عرضة للمعارك العبثية
لماذا لا يتوحّد الزعماء المسيحيون على لبنان الدولة لا الساحة؟

تساءل مرجع ديني لماذا تحققت المصالحات الاسلامية – الاسلامية من دون شروط ولا طلب اتفاق مسبق على مضمون البيان الذي سيصدر على اثرها، ولم تتحقق حتى الآن المصالحات المسيحية – المسيحية مع ان مآسي الماضي وسقوط الشهداء خلال الحروب الداخلية الطويلة هي واحدة ولم تميز بين شهيد وآخر مما يوجب طي هذه الصفحة الأليمة؟

لقد بادر الامير طلال ارسلان الى الاتصال بالنائب وليد جنبلاط للاتفاق معه على صون وحدة الطائفة الدرزية، فكانت هذه الوحدة التي من دونها لا مجال لصونها، وبادر رئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري الى عقد لقاءات في الشمال والبقاع بدون تمييز بين حليف وخصم سياسي من اجل وأد الفتنة والحفاظ على وحدة الصف، وتوّج هذه اللقاءات بمصالحة بينه وبين الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله هدفها تجنب الاحتكام الى السلاح في المواجهة الديموقراطية بين خطين سياسيين متعارضين، انما الاحتكام الى ارادة الشعب الحرة في صناديق الاقتراع كي تختار بين هذين الخطين.

لقد تحقق كل ذلك على الصعيد الاسلامي ولم يتحقق مثله شيء على الصعيد المسيحي. فهل كتب للمسيحيين ان يخوضوا دائما حروبا عبثية دامية في ما بينهم، تارة تحت شعار "توحيد البندقية" وطورا تحت عنوان الصراع على السلطة. وان لا يتقبل احدهم الرأي الآخر وان يعمل كل طرف على إلغاء الطرف الآخر بالوسائل السياسية او الانتخابية او العسكرية؟ وان يخوضوا وحدهم ما سمي "حرب التحرير" فخسروها لأنها كانت حربا اكبر منهم، وخاضوا ما سمي حرب "الالغاء" فكانت اسوأ حرب مرت على المسيحيين خصوصا في المنطقة التي كانت تسمى "شرقية" فكبدتهم خسائر بشرية ومادية فادحة، وفرقت صفوفهم وجعلت القوات السورية تحكم السيطرة عليهم ويذهب زعماؤهم الى لقاءات الطائف بشعور المهزوم فيسلموا بما رفضوا التسليم به على مدى عقود، اي بتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية وانتقال هذه الصلاحيات الى مجلس الوزراء مجتمعا؟

وعبثا حاول سعاة الخير منع نشوب "حرب الالغاء" لأنها حرب داخل البيت الواحد والعائلة الواحدة والطائفة الواحدة، ونجح الخارج في اشعال هذه الحرب. وافشل كل المساعي، وذلك بهدف وضع لبنان تحت الوصاية السورية، وفرض الامن المستعار فيه…

ومن سعاة الخير لمنع نشوب تلك الحرب القذرة كان المحامي كريم بقرادوني الذي كان من اركان حزب الكتائب. وقد وصف لقاءه بالعماد ميشال عون في القصر الجمهوري وهو رئيس نصف حكومة عسكرية، في مقال له بالقول: "اكتشفت شخصية الجنرال المعقدة، فهو خليط من "العسكري" الذي عهدته في الكرنتينا ورئيس الحكومة الذي لم اتعود عليه في بعبدا، والقائد الذي تعلقت به الجماهير الى درجة العبادة في "بيت الشعب" ويضيف: "دام الاجتماع به ثلاث ساعات كنت مشغولا اثناءها بالوضع الداخلي المتوتر بين الجيش و"القوات" وبدا لي ان الخارج بالنسبة اليه مشكلة كبيرة يحتار في معالجتها، في حين ان الداخل مشكلة يستهين بها ويعتقد انه ممسك بخيوطها. يصارحني بمواقفه فيقول: "لا مكان لاسرائيل في حساباته ويفضل ألا تتدخل باللعبة. يرى أن أميركا باعت لبنان وتطلب منه أن يوافق على الصفقة. سوريا تدوخه وهو يفتش عن ترجمان ليفهم ما تريد وليفهمها ما يريد. العرب لا مشكلة معهم. السوفيات رفضوا إعطاء اللجنة الثلاثية اي ضمان يتعلق ببرمجة انسحاب الجيش السوري من لبنان، فرنسا تستبعد عملا عسكريا وتطمح الى ايجاد مخارج سياسية لاتفاق الطائف. الفاتيكان يعارض بنود الطائف لأنها تشكل اختلالا بالتوازن المسيحي – الاسلامي". وتكر سبحة التبسيط والتحليل ويتابع بقرادوني: "تشعب الحديث وننتقل الى الوضع الداخلي ويظهر عون اكثر وضوحا وتماسكاً: "مصيبتي مع سمير (جعجع) أني أتعامل معه كوريث وهو يتعامل معي كمغتصب. لا مصلحة له في اسقاطي لأنه لا يقدر ان يرثني. فليتذكر انني قلت له: "يللي بيفوت بالطائف بيموت" (…). لا يحب السياسيين ومناوراتهم ويفضل العسكريين. يرتاب بكل رجالات السياسة ويحمِّل الاحزاب والميليشيات مسؤولية الحرب والازمة ويخلص الى ان لا شيء يجمعه بالزعماء والنواب الذين يسممون الوطن بالطائفية ويضحون به ارضاء لمصالحهم حينا، ولمصالح خارجية احيانا. وينهي كلامه بلهجة يختلط فيها التهكم والأسى: "مش عم افهم عليهم ولا عميفهموا عليّ. انا فهمان على الشعب والشعب فاهمني" قلت له قبل ان اودعه" "اتمنى ان تتذكر على الدوام شيئا واحدا وهو ان سقوط احدكما يعني سقوط الآخر عاجلا ام آجلا". وانتهى بقرادوني بالقول: "اطلعت قائد "القوات اللبنانية" (جعجع) على مضمون حديثي (مع عون) فعلق بقوله: "ان التفاهم مع عون صعب والقتال معه اصعب. سأحاول ان اتحاشى الصدام" وفي 31 كانون الثاني 1990 وقع ما كنت اخشاه فاندلعت حرب الشرقية"…

هذا ما رواه المحامي كريم بقرادوني عن تلك الفترة الاليمة والمحزنة من تاريخ لبنان، والتي تطرح السؤال: هل ثمة من لم يتعظ بعد بما حصل فيسامح ويغفر وهذا من جوهر الديانة المسيحية، وينسى الاساءات عندما يتذكرها كي لا تعاد وتتكرر، فيتجاوب مع المساعي التي تبذلها الرابطة المارونية برئاسة الدكتور جوزف طربيه ومع رغبة الرئيس ميشال سليمان الحارة ودعوة بابا الفاتيكان الى التوحد والمحبة. فالمرحلة التي يمر بها لبنان والمنطقة مرحلة دقيقة وصعبة، لا تسمح بتصفية حسابات قديمة، بل بفتح صفحة بيضاء لحسابات جديدة ومواقف سياسية لا هي مع هذا المحور ولا هي مع ذاك بل مع لبنان اولا، ومع لبنان فقط.

واذا كانت المصالحات الاسلامية – الاسلامية التي تمت تجعل الانتخابات النيابية المقبلة تجري في اجواء هادئة بعيدة عن التشنج والتوتر، وقد تساعد ربما على تشكيل لوائح ائتلافية حيث يمكن ذلك، ولأن هذه الانتخابات محسومة سنيا وشيعيا ودرزيا، فما المانع من ان تعقد مصالحة مسيحية – مسيحية، تبعد عن المناطق المسيحية معركة "كسر عظم" بين الزعماء المسيحيين كما صار إبعادها عن المناطق الاسلامية، وما المانع حتى من تشكيل لوائح ائتلافية ما داموا جميعهم يؤمنون بلبنان الواحد الموحد، السيد الحر المستقل ويرفضون كما يعلنون، ان يكون لبنان ساحة بل دولة لأن لا حماية للبنانيين عموما وللمسيحيين خصوصا الا بقيام هذه الدولة، وعندها لا يعود البطريرك الكاردينال صفير يكرر القول: "ان المسيحيين تفرقوا مذاهب وشيعا وجماعات لا رابط بينها وهي متحاسدة ومتنافرة، يهاجم بعضهم بعضا لربح مقعد يجر اليهم الوجاهة والمال ومصلحة الوطن مؤجلة ويجري كل في سبيل مصلحته الخاصة؟…

المصدر:
النهار

خبر عاجل