"إصلاح" برسم "انقلاب"؟
لا يزال امام الحكومة خمسة الى ستة اشهر من الاضطلاع بديناميكية فعلية في المهمات التي رسمتها لنفسها في البيان الوزاري، باعتبار ان الشهر الانتخابي المفترض تحديده في ايار سيشلها تماما عن اي قرار او اجراء يتجاوز حدود تصريف الاعمال. ويعني ذلك في الاطار المبدئي الصرف ان تركيبة هذه الحكومة تحديدا، وما لم تأتِ نتائج الانتخابات المقبلة لتكرس واقعها الاستثنائي الشاذ بمنطق الاصول الديموقراطية والدستورية، توفر في هذه الظروف ايجابية نادرة على رغم هذا الشذوذ، وهي الفرصة المفتوحة امام اجنحتها الثلاثة التي تمثل رئاسة الجمهورية وقوى 14 آذار وقوى 8 آذار للتسابق على بث بعض المناخ الاصلاحي في البلاد.
ففي واقع المصلحة المباشرة لكل من هذه الاجنحة، حتى ذلك المرتبط بالاطلالة على المعارك الانتخابية المرتقبة، قد يكون تحويل جلسات مجلس الوزراء الى ساحة تنافس اصلاحية في مجالات "الدعائية" السريعة المردود على حكم يريد تثبيت مواقعه التوافقية والمستقلة بين الجميع، وفريقين يريدان خوض انتخابات حاسمة لمصير المعادلة الثنائية التي تحكم البلاد سياسيا وشعبيا وحتى على مستوى النظام.
غير ان مجلس الوزراء يبدو مقبلا هذا الاسبوع على مناقشة موازنة السنة المقبلة وفتح ملف مجلس الانماء والاعمار ومشاريعه وطريقة عمله بمفاهيم السياسة الرائجة وليس بمفاهيم اصلاحية حقيقية من منطلق التسليم بتسوية الضرورة التي فرضها اتفاق الدوحة وانتظار القدر الانتخابي لا اكثر ولا اقل. وليس من المغالاة عدم التعويل على توظيف هذه المناسبة لبرمجة رزمة قضايا شائكة وملحة وطرحها تباعا على مجلس الوزراء لأن الفارق كبير بين ذهنية اصلاحية ونمط "تصفوي" انتخابي بدأ يهدد فعلا بشل مبكر ومسبق كل المحاولات الاصلاحية.
وتؤكد ذلك بما لا يحتاج الى اثباتات دامغة مجموعة كبيرة من الوقائع ذات الدلالة الخطيرة في ترك استحقاقات تمس بقطاعات ومؤسسات حساسة تحت رحمة التسليم لمنطق التأجيل والتكيف مع التسوية السياسية واعلاء موجباتها فوق ادنى الضرورات البديهية لمعالجة الاوضاع العالقة في هذه المؤسسات والقطاعات.
ففيما يطل العهد على طيّ شهره السادس والحكومة على شهرها الرابع، لا يفهم الناس معنى هذا الصمت السياسي والرسمي المريع على ازمة تضرب القضاء وتهدد بانفراط عقد مجلسه الاعلى وشل معظم فعالية العمل القضائي باسترهان مشروع التشكيلات فيه وأسره وتجميده لدوافع خفية وظاهرة اقل ما تنذر به هو تشريع السلطة القضائية على رياح التسويات والصفقات والمحاصصات او الاقتصاص منها "بتعليق" حضورها ودورها وتحجيمها.
ولا يفهم الناس كيف يجري تجميد التعيينات الضاغطة والمستعجلة في الفئة الاولى ويعجز المعنيون عن مواكبة انطلاقة عهد جديد وحكومة وحدة وطنية بالحد الادنى المألوف والطبيعي من ملء الشواغر "الكبرى" فتترك عشرات المناصب عرضة لفراغات او لأوضاع انتقالية كأن المرحلة الفاصلة عن الانتخابات تبيح تعليق الدولة ما لم تشق المحاصصات طريقها بقوة مثبتة "بحق" الثلث والثلثين وما بينهما من قدرات تعطيلية.
كما لا يفهم الناس ايضا لماذا تستعصي على عمالقة القوى السياسية المزهوين بقدرات التمثيل الشعبي الخطط والبرامج الاصلاحية العلمية لمنع التداخل والتشابك بين "مجالس" من هنا و"مجالس" من هناك معنية بالمشاريع الانمائية فيتم التركيز على مجالس ذات هوية سياسية معينة ويجري التعتيم على اخرى مما يسقط اي توجه لمناقشة هذا الملف المزمن في خانة الاستنساب والاستقواء والفئوية.
ولا يفهم الناس ايضا لماذا لا يبقى موضوع الاصلاح الامني من الممنوعات والمحظورات في بلد الانكشاف على كل شيء ولماذا يحظر الكلام عن تداخل الاجهزة وتشابكها وواقع انتسابها الى هذه او تلك من الفئات؟ ولماذا بفعل هذا الواقع يجري تسليط الضوء على وقائع امنية ذات طابع معين فيما يجري التعتيم على وقائع امنية اخرى؟ واين الحقيقة في تضخيم من هنا وتحجيم من هناك؟ والى متى يبقى الانماء والقضاء والادارة والامن وهي من "الجوامع" المصلحية الوحدوية الحقيقية للشعب اللبناني تحت وطأة كل النوازع السياسية كأنها مشاعات برسم طموحات انقلابية موعودة تحت مسميات انتخابية؟
واي اصلاح سيأتي اذا كانت معاييره انقلابية؟