من الدور المصري… إلى طاولة الحوار!
I
غريب أمر بعض اللبنانيين الذين لا يعجبهم العجب، ولا الصيام في شهر رجب، كما يقول المثل، والذين اعتادوا جَلد إخوانهم في الوطن، وإثارة مشاعر الشك والغضب ضد الأشقاء العرب!.
عندما يبتعد الأشقاء عن مسار الأزمات في الوطن الصغير، ترتفع الصرخات بأن العرب انشغلوا عن لبنان، وابتعدوا عن مساعدة اللبنانيين في محنتهم.
وعندما يهبّ الأشقاء لنجدة الشقيق الأصغر، تبدأ حملات الغمز واللمز، وتتصاعد مواقف التشكيك بصفاء النوايا وصدقية المساعي، إلى آخر المعزوفة التي يُراد من ورائها <تطفيش> كل ما هو عربي من دائرة الفعل والتفاعل في لبنان.
والحملة المفتعلة التي قادتها أطراف رئيسية في المعارضة، السابقة واللاحقة! بمشاركة إعلامية منظمة، ضد زيارة الوفد المصري الى لبنان، تبقى نموذجاً صارخاً لحالة التناقض التي تعيشها قوى في المعارضة، وتلك الحملة كشفت في الوقت نفسه إصرار قوى أخرى في المعارضة على استبعاد كل ما هو عربي!.
ولكن يبدو أنه غاب عن أصحاب الحملة المفتعَلة، سياسياً وإعلامياً، أن الدور المصري الأخوي مُرحب به من قبل أكثرية اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، وأن مصر، بما تمثله من ثقل في القرار العربي، وبما لها من مكانة إقليمية ودولية مميزة، تبقى الشقيقة الكبرى التي تعمل على تعزيز أجواء الأمن والسلم الأهلي والاستقرار في لبنان، انطلاقاً من مسؤوليتها القومية أولاً، ثم حفاظاً على مقومات الأمن والاستقرار في المنطقة، والذي تقع متطلبات الأمن القومي المصري في صلبها أيضاً.
ولا بد من التذكير بأن مصر التي تعود علاقاتها الوثيقة بالوضع اللبناني إلى أيام الملكية ورئيس الوزراء الوطني النحاس باشا، تلك العلاقات التي بلغت ذروة تألقها في عهد الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، حرصت منذ أيام الرئيس السادات على أن تكون علاقاتها مع جميع الأطراف اللبنانية، بغض النظر عن تناقض المواقف والطروحات السياسية بينها، سعياً لإيجاد أرضية مشتركة تُقرِّب المسافات بين اللبنانيين، وتحميهم من التدخلات والضغوطات الخارجية، انطلاقاً من الشعار المصري الشهير: <ارفعوا أيديكم عن لبنان>!.
وبدا واضحاً أن الوفد الرئاسي المصري حرص على ترجمة هذه الثوابت في السياسة المصرية، من خلال مروحة اللقاءات الواسعة التي أجراها مع القيادات اللبنانية في جبهتي 14 و 8 آذار، وتشجيع أجواء المصالحة والتقارب بين الأفرقاء المتنازعين، وتأكيد الدعم لمسيرة الرئيس التوافقي ميشال سليمان، وعلى التنويه بمبادرات تصحيح العلاقات الأخوية مع سوريا، فضلاً عن ضرورة سدّ الثغرات التي تنفذ منها التدخلات الإقليمية والدولية إلى الساحة اللبنانية.
أين الخطأ إذاً في هذا الأداء المصري القومي؟.
وأين الخطر في مثل هذا التحرّك الذي شمل كل الأطراف الفاعلة من جانبي الأكثرية والأقلية، بما فيها حزب الله والتيار العوني؟.
وهل المطلوب أن تبقى مصر، ومعها الدول العربية الأخرى، وخاصة المملكة العربية السعودية، منكفئة عن مساعدة الشقيق الأصغر، حتى يتحوّل إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، على غرار ما حصل في العراق الشقيق بعد إسقاط نظام صدام حسين؟.
مرّة أخرى، الدور المصري مُرحّب به في لبنان في إطار المسؤولية العربية القومية عن سلامة وأمن الوطن الصغير، الذي طالما اختلّ توازنه في كل مرّة تختل فيه قواعد العلاقة الأخوية بين المثلث العربي الاستراتيجي الذي يضم الرياض والقاهرة ودمشق، والذي يشكّل الحصن الحصين للنظام العربي برمته!.
* * *
II
غداً الرابع من تشرين الثاني، العالم كله على موعد مع نهاية كابوس أسود ألقى بثقله المخيف على الشعوب والأمم كلها من دون تمييز بين عدو وحليف، بعدما أشعل الفتن والحروب في مشارق الأرض ومغاربها، وخاض غمار مغامرات عسكرية غبية هنا وهناك، وقاد العالم إلى أسوأ كارثة مالية قد تفوق نتائجها ما حصل في أزمة عام 1929 الشهيرة، والتي مهّدت الأجواء للحرب العالمية الثانية.
يوم الرابع من تشرين الثاني لم يعد تاريخاً يهم المواطن الأميركي وحده، بقدر ما أصبح يهم العالم أجمع، والذي ينتظر بفارغ الصبر نهاية أسوأ إدارة أميركية عرفها البيت الأبيض في القرن الأخير، والتي كاد خلالها جورج بوش الإبن، الجاهل لأبسط معادلات السياسة الدولية أن يوصل العالم إلى شفير الحروب الانتحارية المدمرة، سعياً وراء امتيازات نفطية، ومسايرة لشركات التسلح والدمار مرات أخرى.
طبعاً، لن تنتهي آلام مرحلة جورج بوش بانتهاء ولايته الدستورية، بل لعل الفضائح التي ستفوح رائحتها بعد خروجه من البيت الأبيض ستكشف حجم الفساد الذي كان يُهيمن على الإدارة الأميركية الحالية، ويتحكم بمقرراتها، والتي أدّت بمعظمها إلى تقويض الاقتصاد الأميركي، وإلى خسارة الملايين من المواطنين الأميركيين لوظائفهم ومصدر عيشهم، فضلاً عن زيادة أرقام العجز المالي إلى أرقام فلكية، ستتحمل أعباءها الأجيال الأميركية الجديدة. في بلاد العرب، لن نخوض الرهان مجدداً على أي المرشحين:الديمقراطي أوباما أم الجمهوري ماكين، فبالنسبة للقضية الفلسطينية يشكل الإثنان وجهين لعملة واحدة ولسياسة ثابتة: الأولوية للعلاقات مع الدولة الصهيونية.
ولكن ما يهمنا في هذه المنطقة، هو مدى إدراك الإدارة الجديدة للواقع الذي كرّسته تجربة بوش الفاشلة في العراق وأفغانستان:
القوة ليست السبيل الوحيد لتحقيق الأمن والسلام، ولا هي الوسيلة اليتيمة لمكافحة الإرهاب، فضلاً عن أن غطرسة العظمة لا تُقنع الشعوب المتمسكة بحقوقها بالإذعان والتخلي عن حريتها وسيادة أوطانها.
لعل المهمة العاجلة الأولى أمام الإدارة الأميركية الجديدة ستكون العمل على ترميم صورة الولايات المتحدة أمام شعوب العالم، ثم تغليب لغة الحوار على ما عداها من أساليب التهديد والابتزاز في إعادة بناء العلاقات مع الأصدقاء والحلفاء قبل الخصوم والأعداء!.
* * *
III
بعد غد الأربعاء يدقّ جرس الحوار من جديد في بعبدا، ويلتئم شمل طاولة الحوار من جديد برئاسة العماد ميشال سليمان، لتناقش مسألتين على جانب من الأهمية في هذه المرحلة بالذات: الاستراتيجية الدفاعية واقتراح توسيع طاولة الحوار.
لا نُذيع سراً إذا قلنا إن المواقف ما زالت متباعدة بين أطراف الحوار حول هاتين المسألتين، وبالتالي فإنه من المستبعد أن يتم التوصل إلى قرارات حاسمة، أو إلى نتائج ملموسة في هذه الجولة من الحوار.
قوى 14 آذار ما زالت على موقفها في معارضة توسيع طاولة الحوار، حفاظاً على فعالية الحوار وحصره في الدائرة الفاعلة، طالما أن كل الأطراف السياسية تعتبر ممثلة على الطاولة.
وأطراف 8 آذار تستعجل البت بالاستراتيجية الدفاعية للحصول على تغطية رسمية وشرعية للمقاومة، بعدما تعرّضت شرعيتها الشعبية للاهتزاز إبان أحداث السنتين الماضيتين، والتي بلغت ذروتها في 7 أيار الأسود.
وفي ظل غياب رؤية موحدة للاستراتيجية الدفاعية، فضلاً عن حالة عدم التكافؤ الحالية بين سلاح الجيش وأسلحة المقاومة والتي لا تشجّع على إقرار استراتيجية دفاعية يكون فيها قرار الحرب والسلم في أيدي الدولة.
فإن النقاش على طاولة الحوار قد يحتاج إلى جولات أخرى، قد تدوم وتستمر حتى الانتخابات النيابية المقبلة!.
ولكن يبقى الأهم من كل ذلك، أن الحوار عاد إلى داخل المؤسسات الدستورية والشرعية، وأن الخلافات السياسية التي اتخذت طابعاً مذهبياً بغيضاً، قد تم سحبها من الشارع الذي تنفّس أهله الصعداء مع انتشار أجواء المصالحة، وانعقاد اللقاء المنتظر بين رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، والذي لا بد أن تتبعه خطوات تعزّز مناخ الانفراج وتستعيد بناء الثقة المتبادلة، والتي كلّف فقدانها الطرفين أثماناً باهظة في السياسة… كما في الشارع!.