عن حملة "حلفاء دمشق" على مصر .. ودورها في لبنان!
ليست من دون دلالة سياسية آنية، ومستقبلية بالذات، مقاربة مصر الجديدة للشأن اللبناني من جهة و«التلميحات» الى رفض سوريا لها من جهة ثانية. وهما هنا اعلان الرئيس المصري حسني مبارك المتجدد، في القاهرة وفي باريس، أن »ارفعوا أيديكم عن لبنان» وارساله موفدا من قبله هو اللواء عمر القناوي، وحملة الأقلية في لبنان (المعارضة سابقا) على ذلك بالقول ان وراءه هدفاً من اثنين، أو الاثنين معاً: محاولة »ملء الفراغ في لبنان بعد انسحاب واشنطن والرياض منه بسبب هزيمتهما«، كما قيل تارة، والسعي لـ »وقف المد الايراني» فيه وفي المنطقة عموماً كما قيل تارة أخرى. أما الصورة المراد تظهيرها سوريا، فهي التي تحاول أن تقول إن ما حدث في لبنان في الفترة الماضية هو »انتصار» لسوريا ـــ وبالتالي لحلفائها فيه وفي ايران ـــ على الولايات المتحدة والسعودية (واسرائيل أيضا، بحسب الخطاب المعروف!) وأن ما تسعى اليه مصر في مقاربتها هذه ليس سوى محاولة انقاذ حليفيها، الأميركي والسعودي، من جانب وسرقة هذا »الانتصار« السوري ـــ الايراني ـــ اللبناني من جانب آخر .
ولا حاجة للتذكير بـ »الحجج» السورية، واللبنانية والايرانية، في هذا المجال، ولا لمناقشتها، فهي في الخطاب المعروف اياه متوفرة … من »انهيار المشروع الأميركي في العالم كله«، وليس في المنطقة فقط، الى »فك العزلة الدولية عن سوريا»، الى »تداعي فكرة الاعتدال» في العالمين العربي والاسلامي، الى »الانقلاب السياسي» المنتظر في أميركا واسرائيل، الى أخيرا 7 و 8 أيار في لبنان تحت مقولة »تغير موازين القوى»، والى ما بعدهما خاصة في ما يتعلق بالانتخابات النيابية المقبلة التي يتوقع الخطاب اياه، ويعمل حاملوه بكل قوتهم في هذا الاتجاه، لأن تكون نتائجها في صالحه !! .
واذا، فأي تحرك، أو محاولة تحرك، على جبهة لبنان، خاصة من مصر التي لم يمكن اتهامها (بعد ؟!) بالتورط في مشكلاته الداخلية، لن يلقى قبولاً لا من دمشق ولا من حلفائها في لبنان ـــ فضلاً عن ايران ـــ أياً كان شكل التحرك وأسلوبه وهدفه في نهاية المطاف. ذلك أن لدى مصر القدرة، والرغبة معاً، على محاورة جميع اللبنانيين من دون استثناء، أياً كانت انتماءاتهم الحزبية وخلفياتهم العقيدية وارتباطاتهم السياسية، ومن منطلق قومي عربي لا مجال فيه لاتهام بالاسلام السياسي، المتطرف منه وغير المتطرف على حد سواء… وليس ذلك المنظار الذي يرى منه النظام السوري لبنان في مقاريته الراهنة، والمستقبلية، له .
قبل ذلك، لم ينس النظام السوري بعد أنه لم يفرض مرجعيته الوحيدة، وتالياً وصايته الكاملة، في لبنان الا عبر تراجع الدور العربي ـــ والمصري تحديداً ـــ أولاً في اطار »قوات الردع العربية» التي تحولت لاحقاً الى قوات سورية خالصة ثم، بعد انتهاء حرب الخليج الأولى، في اطار ما وصف بـ »اطلاق اليد السورية» في لبنان، وفي موازاة »اعلان دمشق» المتعلق بالمشاركة المصرية ـــ السورية في الدفاع عن دول الخليج… ولا تتصور سوريا، حتى بعد كل ما حدث في الأعوام الثلاثة الماضية وانسحاب قواتها من لبنان، انتهاء تلك المرحلة وعودة الوضع الى ما كان عليه قبلها .
وبعد ذلك، فمصر تلعب دورا محوريا على الساحة الفلسطينية وقد توصلت، كما يبدو أقله حتى الآن، الى مشروع مصالحة حقيقي بين حركتي »فتح« و »حماس»، في الوقت الذي لم يصل فيه »حوار« دمشق لا مع تل أبيب ولا مع واشنطن الى شيء .. وقد لا يصل أبدا في المستقبل المنظور. ولا تتصور دمشق، بأي شكل من الأشكال، امكان خسارتها الورقتين الفلسطينية واللبنانية، أو ما تبقى منهما بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية في الأرض المحتلة والانسحاب العسكري السوري من لبنان، بمثل هذه البساطة .
ماذا يعني ذلك كله، وهل يكون في مقدور النظام السوري، من خلال حلفائه في لبنان، احباط الحركة المصرية من أجل احلال السلام الداخلي في لبنان ؟! .
غني عن القول إن ما تملكه مصر في لبنان هو تاريخها القومي العربي، بما في ذلك دعمها الكامل لاستقلال لبنان منذ العهد الملكي (موقف النحاس لدى تأسيس جامعة الدول العربية)، وعلاقاتها التي لم تنقطع مع مختلف الفرقاء، فضلاً عما تصفه بــ »النيات الحسنة» وربما بعض المعلومات عما يخبئه المستقبل بدليل ايفادها نائب مدير المخابرات واتصاله بالجميع من دون استثناء. يضاف الى ذلك أنها استقبلت في الفترة السابقة، وستستقبل لاحقا، الأطراف اللبنانيين على اختلافهم من أجل التشاور ومحاولة تقريب وجهات النظر في ما بينهم .
هي قدرات محدودة اذاً، والأهداف محدودة ومحددة بدورها: مساعدة اللبنانيين على احلال سلامهم وسلام بلدهم الداخلي.
والسؤال بالتالي: لماذا اذاً هذه الحملة عليها من دمشق، وان يكن عبر حلفائها في لبنان؟! .
يصعب في الواقع تصور العثور على اجابة عن السؤال خارج حدود الاحتمالين التاليين: اما أن السبب يكمن في رغبة دمشق، وتالياً حلفائها في لبنان، بابقاء الساحة اللبنانية على ما هي عليه (لا حرب ساخنة ولا سلام داخليا) بانتظار ما ستؤول اليه السياسات الاقليمية والدولية لجهة المفاوضات السورية ـــ الاسرائيلية والنزاع الأميركي ـــ الايراني حول الملف النووي، أو أنه يعود الى بقاء نزعة الاستئثار السورية بلبنان … بعد أن مارستها بنجاح منقطع النظير، ولو على حساب لبنان، على امتداد العقود الأربعة الماضية .
بل قد يكون الاحتمالان معاً، وفي وقت واحد، هما في أساس الاستراتيجية السورية تجاه لبنان في المرحلة الحالية.
لكن ماذا عن الحلفاء اللبنانيين هؤلاء، وعن موقفهم من الاستراتيجية السورية هذه تحديداً ومن انعكاساتها على مستقبل بلده.
يصعب هنا كذلك العثور على اجابة وافية من خارج احتمالين مماثلين: اما أن اهتراء الطبقة السياسية اللبنانية قد بلغ، في خلال سنوات الوصاية السورية وبسببها، مستوى بات فيه عصياً على الشفاء، وباتت معه المصالح الشخصية (مغلفة بالطائفية والمذهبية والفئوية) أقوى وأهم من كل ما عداها، واما أن الرهاب الجسدي والمادي والمعنوي (صنو »الارهاب« التكفيري الذي يجري الحديث عنه في شمال لبنان الأن) قد تحول عملياً الى سيف مصلت على رؤوس أفراد هذه الطبقة، أو بعضهم على الأقل، من أجل صناعة السياسات التي تبقي البلد »ساحة» للاعبين الاقليميين من جهة ومفتوحاً على الاحتمالات كلها من جهة ثانية .
سيكون على الدولة العربية الأكبر، اذا كانت جادة فعلاً في السعي لانقاذ هذا البلد العربي مما هو فيه ومما يتهدده من أخطار جسيمة في المستقبل، أن تنتقل من مقولة »ارفعوا أيديكم عن لبنان» الى الحالة التي تجعلها تمد أيديها حقيقة وواقعيا وعمليا الى اللبنانيين
فعروبة لبنان على المحك الآن، بصرف النظر عما قيل سابقا عن »الممانعة» أو »المقاومة»، وما يقال حاليا عن محاولة مصر »ملء الفراغ» نتيجة الانسحاب الأميركي والسعودي أو عن »وقف المد الايراني» في لبنان والمنطقة.