الحشود السورية شمالاً حركة إرهاب ضد لبنان
الواضح أن ضغط النظام السوري وقواته العسكرية على لبنان والدولة والنظام يشكل في بعده تهديداً استراتيجياً واسع المدى في التوقيت والظرف والمكان. ومهما حاولت القيادة السورية إخراج تهديدها المباشر من دائرة الاتهام إلا أن واقع الأحداث المتراكمة وتفاعلاتها على امتداد هذه السنوات الأربع منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري لهذا اليوم. ومما لا شك فيه أن الوضع المأسوي الذي يعيشه شعبنا اللبناني على امتداد الـ10452 كيلومتراً مربعاً تجعلنا في دائرة الحرص والتنبه لهذا التهديد المخطط له والذي من الممكن أن يشمل كل الحدود المشتركة بين الدولتين تحت »يافطة« ضبط عمليات التهريب أو مراقبة أي تسلل قد يحصل من وإلى داخل الحدود.
ولقد أكدت أوساط إعلامية من خلال مصادر ديبلوماسية مطلعة أن النظام السوري وأمنه بات ينفذ خطة مباشرة وشاملة على لبنان انطلاقاً من الممارسات الضاغطة التي تمارس بشكل علني لمواجهة عمل المحكمة الدولية التي ينتهي فيها التحقيق لتبدأ المحاكمة، ومهما حاول البعض في الداخل اللبناني على إخراج الواقع العام وترطيب الأجواء المتلبدة تميل بشكل مباشر الى القول إن القيادة السورية تملك معطيات هامة عن سير عمل هذه المحكمة حيث تأكد أن التحقيق الدولي قد ينتهي من المهمة الموكلة الى المحقق بيلمار عند نهاية عام 2008 حيث تأكد أن اتهاماً سيوجه الى العديد من الذين اشتركوا عملياً قياساً على ما خطط لتنفيذ هذه الجريمة الكبرى التي سقط فيها الرئيس رفيق الحريري شهيداً مع العديد من القيادات السيادية في لبنان.
ومن المفيد أن نسأل بشكل واضح ودقيق عن البعد الاستراتيجي لهذا التحرك العسكري السوري، بل وهذا الاستنفار غير المسبوق في تاريخ العلاقات بين البلدين وذلك منذ عام 1958 زمن الثورة ضد عهد الرئيس كميل شمعون، إن هذا الاستنفار الحاصل اليوم على الحدود الشمالية سيبقى في دائرة الشبهة طالما بقي، ويشكل في بعده رسالة واضحة الدلالة بأن هذه القوات المنتشرة بشكل مريب ستكون جاهزة لأي تدخل إذا ما سارت قضية التحقيق في جريمة الاغتيال الى كشف أسماء متورطة داخل النظام السوري، وهذا يشكل في بعده تهديداً مسبقاً بأن أي كشف لبعض الحقائق سيؤدي الى ضرب الأمن والاستقرار في الداخل اللبناني.
إن هذه الحملة الإعلامية غير المبررة التي يقوم بها النظام السوري كما حلفاؤه في الداخل اللبناني في موضوع التواجد السلفي في منطقتي عكار والبقاع إنما هي ذريعة سبقتها ذريعة كيدية باطلة تلك التي روّج لها أثناء معارك نهر البارد حيث اتضح في ما بعد أن هذا الإعلام الكيدي المضلل كان رهانه أن معارك نهر البارد والتشكيك بقدرة الجيش ورسم الخطوط الحمر أمامه من قبل حلفاء النظام السوري سيؤدي في النهاية الى تفكك الجيش وانهيار الوحدة الداخلية وصولاً الى إسقاط المحكمة الدولية وعودة الوصاية السورية الى لبنان.
ركز هذا الإعلام الكيدي بشكل مباشر حول اتهام بعض الطوائف في لبنان الى حماية القوى السلفية غير الموجودة أصلاً، كما اتهام دول عربية ضالعة بالوقوف والدعم اللوجستي والمالي لقوى سلفية تقاتل في نهر البارد ضد الجيش اللبناني لضربه معنوياً ومادياً، كما تبيّن لاحقاً أن حشد القوات السورية على الحدود الشمالية هو رسائل موجهة الى قيادات 14 آذار بأن الانتخابات القادمة في ربيع عام 2009 لن تكون كما كانت عام 2005، وأن انتصارهم شيء من الخيال. من هنا تمارس القيادة السورية ضغطاً عسكرياً، ولقد نبهت هذه القيادة على حلفائها في لبنان بأن خسارة عون في المناطق المسيحية تشكل في بعدها هزيمة كبرى لقوى 8 آذار. من هنا يتركز الوضع الميداني لهذه الحشود العسكرية رهاناً مبرمجاً بأن التغيير يجب أن يحصل مهما حدث.
إن الزيارة التي قامت بها قيادة 14 آذار الى فرنسا لاستطلاع الوضع بشكل مباشر لأجواء القيادة الفرنسية التي هي على اطلاع كلي حول مجمل الأوضاع في الداخل السوري حيث تبين واضحاً أن هنالك معطيات أكيدة بأنه من غير الممكن أن يسمح للنظام السوري بهز الأمن، حيث يوجد موانع دولية ضاغطة تحول دون عودة القوات السورية الى لبنان. ولقد أكدت فرنسا أمام الوفد بأن كل ما يفعله الإعلام السوري بأمر وتوجيه النظام بأن هنالك ضغطاً أوروبياً على سوريا للتدخل عسكرياً لضبط الأوضاع في الداخل اللبناني هو مجرد وهم مفتعل وتضليل وخداع لتغيير الواقع الحالي الى غير محله.
كما تؤكد المعطيات بأن الموقف الأوروبي والأميركي تجمعهما رؤية مشتركة حول حماية لبنان من أي اعتداء قد يقع في المستقبل.
إن لبنان خسر العديد من قياداته السيادية المسؤولة عن حماية لبنان واستقلاله منذ بداية اغتيال رياض الصلح صانع الاستقلال اللبناني عام 1943 وعلى امتداد هذا التاريخ الطويل كان الإرهاب السوري على لبنان وحدوده وإقفال المعابر والطرقات وحجز واعتقال الآلاف من اللبنانيين السياديين وبخاصة أيام الثورة الداخلية عام ،1958 حيث دخلت القوات السورية الى منطقة العرقوب ـــ قضاء حاصبيا، حيث أقامت محكمة ميدانية في شبعا واعتقلت العشرات من أبناء المنطقة حيث جرت محاكمتهم ومن ثم سوقهم الى القنيطرة في الجولان.
منذ اغتيال رياض الصلح رئيس وزراء لبنان حينها الى اغتيال الشهيد الرئيس رفيق الحريري خسر لبنان العديد من القيادات السيادية: كمال جنبلاط، ناظم القادري، مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد، بشير جميل، رينيه معوض والعديد من القيادات الفكرية والسياسية والحزبية التي دافعت عن لبنان الدولة وآلاف المعتقلين في السجون السورية حيث ما زال بعضهم مجهولاً ومغيباً بفعل المؤامرة على استقلال لبنان وسيادته. نخلص الى القول إن لبنان سيبقى دولة حرة مستقلة مهما حاولت سوريا بوسائلها الإرهابية ومهما حاول نظامها استباق الأمور فإن القوى السيادية ستبقى صامدة ولا مجال أمامها إلا وحدة الموقف وصولاً الى الهدف المنشود ألا وهو سيادة لبنان ورسم الحدود بين البلدين وإقامة السفارات في ما بينهما وتحقيق الرغبة الجامحة بالوصول الى المحكمة الدولية لتبيان الحقيقة كاملة.