لا علاقات ديبلوماسية لها طابع الاستكبار والاستعباد
إذا كان هنالك من علاقات ديبلوماسية ستقام في المدى القريب بين لبنان وسوريا، فإنها ستكون جزءاً كبيراً من إنجازات تحققت، وقيمة مضافة الى سائر الإنجازات والإنتصارات التاريخية، في أوائل هذا القرن. وإذا قلنا: إن انتصاراً قد أنجز على وقع انتصار المقاومة في الجنوب، وعلى وقع انتصار قوى 14 آذار عام 2005، فمن المفترض أن يصب ذلك في خانة الاستقلال التام، وفي خانة الحفاظ على مقومات وكيانية كل من البلدين: سيادة، وشعباً وحدوداً، ومصيراً.
إذ من الخطأ بمكان إقامة علاقات ديبلوماسية، والحدود مستباحة، سيما وأن انتهاك الحدود، وقضم الأرض يعني أن حرباً غير معلنة قائمة، وأن السيادة مهددة، وهوية وانتماء، ضائعين، بما قد يؤدي الى إلغاء هذا الموقع للبنان الفرادة والرسالة والقيم في هذا الشرق الكبير. فإذا ما نظرنا الى هذه العلاقات بمنظار الحق، فإنه كما تعمل سوريا على صون حدودها، وعدم إهداء شبر من ترابها للغير (وأي صون!)، كذلك من حق لبنان دولة وشعباً حماية أرضه وصون حدوده إتقاء شر إسرائيل، اتقاء جهات بعيدة أو قريبة (وظلم ذوي القربى أشد إيلاماً) ولكي تكون هذه العلاقات طيبة وصحية يجب أولاً، ترسيم الحدود بدءاً من الشمال وصولاً الى الجنوب، على أن يترافق ذلك بمسح سياسي وجغرافي كاملين. فما معنى علاقات ديبلوماسية إذا لم يكن هنالك اعتراف بكيانية لبنان ومقوماته، من ديموقراطية توافقية، ودستور، وقانون انتخابي، وقيام حكومة قادرة وقوية، وأخيراً الاعتراف بهذا التنوع، والتعدد. ذلك أن الشعب اللبناني ليس بحاجة الى راعٍ، فهو قادر على قيادة السفينة الى الشاطئ الأمان. وهو الذي صدّر الحرف، وعلم غيره الحكم والقانون. كفى، وألف كفى التلاعب بمصيره والتدخل في شؤونه وخصوصياته، وإحداث فتن ممهورة بخاتمهم.
قد تعيدهم ـــ حسب زعمهم ـــ الى العهد القديم، عهد الوصاية والهيمنة، لا الرعاية والاحتضان. لا، لا، لن يكون لبنان مقراً أو مستقراً لأحد، فليقلعوا عن حلمهم القديم ـــ الجديد. وليتخلوا عن مقولة: لبنان شوكة في خاصرة سوريا، ورئة سوريا، فيه ربيت الأصولية، والسلفية، وفيه قوى الإرهاب. وما ذلك إلا لتحقيق هذا الحلم التاريخي. ليغرد معنا، وليدر في فلكنا. لذلك، بات من الضروري الإمساك به وبقراره وهذا لن تعترف به شرعة حقوق الإنسان، ولا الشرائع والسنن والقوانين على مر العصور والدهور.
فمخطئ من يقول: إن هنالك إرهاباً في لبنان. وإذا كان هنالك من إرهاب ولا نظن ذلك ـــ فالمسؤول الأول والأخير هو لبنان عن هذه الظاهرة في حال وجودها فإنه أمر يتعلق بالبيت اللبناني، وخير دليل على ذلك، أنه عندما سادت الفوضى والاغتيالات في لبنان والتي ذهب ضحيتها قادة كبار وجبابرة عظاماً، وكادت تحدث حرباً أهلية جديدة يومها لم يقو لبنان على ذلك، ولم يكن لديه القدرة على التدخل ليمسك بزمام الوضع على الحدود وليحد من هذا الفلتان والتهريب والتسلل. على كل حال، قد يكون هنالك أناس متضررون من إقامة هذه العلاقات، ومن عودة المياه الى مجاريها لآن دوراً ما معطى لها، لإحداث مزيد من الفتن، وإبقاء الجرح نازفاً بين البلدين. هؤلاء وقفوا سداً منيعاً بوجه إقامة هذه العلاقات على قاعدة المصالح المشتركة والجوار، بتعليمات تارة داخلية، وطوراً خارجية، وبوسائل دنيئة لا تمت بصلة الى هذا التاريخ والمصير المشترك. ومع ذلك، فهي في معرض التأييد لهذه الخطوة زعماً منها، أنها المستفيد الأول منها! وإذا كانت ساعة إقامة هذه العلاقات قد دقت، والتي كان من المفترض إقامتها قبل خمسين سنة ونيف، فإنها تجسد الآن رؤية قوى 14 آذار وبرنامجها المتضمن هذه العلاقة على أسس واضحة ومتينة. وفي الحقيقة، أياً كان المساهم الأكبر في هذا الإنجاز فإنه إنجاز للبنان وسوريا وللعرب أجمعين. ذلك أن هذه العلاقات تضمد الجراح، وتدفع بالواقع المرير نحو اليقظة والاستنهاض، والشعور بالوحدة والتحرر، ولا تمس بالقضايا القومية والمصيرية (ونحن رعاتها).
وتالياً، هذه العلاقات هي رؤية متقدمة لتطوير معنى العروبة، بعيداً عن الاستكبار، والهيمنة، وفكرة ابتلاع فريق لفريق، أو دولة لدولة، هذه العلاقات، لا شك بأنها ستزيد من هذا التماسك والترابط، انسانياً، واجتماعياً وصلات قربى سيما وأن لسوريا امتدادات عربية لا ينكرها أحد وتواصلاً مع كل العرب مما سيضاعف من قوتها على كل الأصعدة والمستويات. وعلى هذا، فإن تراجعاً، أو اهتزازاً، أو خللاً لن يحصل بعد اليوم، ولن يحد من إمكانية المواجهة مع إسرائيل. فالناظر الى الأمس القريب يرى أن ثلاثة عقود مضت لم تؤت ثمارها في إعادة حبة تراب من أرضها المحتلة. وفي هذا المجال نشير الى أن مكوثها في لبنان، جعلها أعجز من ان تساكن الشعب اللبناني، لا بل أكثر من ذلك أنساها أرضها المحتلة وأفقدها ما لا يحد ويحصى اقتصادياً وثقافياً، مما ساهم في ضرب عملية النمو والإنتاج في البلدين، ما أدى الى انقطاع لقمة عيش الكثير الكثير من العمالة السورية، وهذا التكامل الثقافي والاقتصادي. فعدم إقامة هذه العلاقات ـــ ولا نريد ذلك ـــ أتى بخسارة فادحة عربياً ودولياً، وقاد الى تردي الأوضاع، والعودة الى الوراء سنين طوال، كان لذلك امتدادات سلبية على الساحة اللبنانية، باعتبار ان نظام الوصاية نظراً لتجاهله إقامة هذه العلاقات أوصل لبنان الى مزيد من الفتن، والفلتان والصراعات الطائفية، ما أفسح المجال لإسرائيل أن تقوم بحروب متتالية وغزوات متعاقبة على لبنان كادت تغير سمته الحضارية وبنيته الاقتصادية. لذلك، كان من الطبيعي تدارك ما حصل لا سيما لجهة تدخلها في حياته السياسية وفي هذا الأداء اليومي، والاستحواذ على قراره.
إن لبنان لن يكون لقمة سائغة لأحد فهو أكبر من أن يُذل أو يُقهر أو يُبنى سلطان الغير على حسابه. وهو أسمى ديموقراطية وثقافة من الدولة المحاذية له. لقد ولى زمن الاحتلالات والطغيان الى الأبد. فأي قوة لا تستند الى رؤية ومنطق سياسيين هي كلام بكلام، وهي آنية، وأعجز من أن تقاوم إرادة شعب أو تقرر مصيره. فكيف تعلو لإسرائيل راية فوق تراب عربي. والمسجد الأقصى تحت جور إسرائيل. فهل يعقل ان يعوض عن تراب محتل بقضم لبنان (ولا تزال الأرض محتلة!) يا للعجب! ناهيك، عن تقطيع أوصال الشعب، وبث الفرقة بين أبنائه، ومحاولة إقامة دويلات خفية لم تظهر بعد للعيان، ما سيذهب بأصحابها وبمشروعهم يوماً ما. وللتذكير، نقول: ما من شعب ناء يوماً تحت نير المحتل، وما من طامع إلا وعاد أدراجه. لذلك، نأمل بإقامة علاقات ديبلوماسية انطلاقاً من معالجة هذا الملف المملؤ بالأحداث والاضطرابات والفتن طوال عقدين من الزمن، والتوقف عند الأخطاء والتمعن بها، ومعالجتها بكل روية وهدوء. والصفح عنهم يوم تقام هذه العلاقات على قاعدة الاحترام المتبادل والاخوة والروابط التاريخية بين البلدين. أما أن يبقى لبنان في دائرة الغير، وفي دائرة الترهيب والتخوين، فهذا ما لا يقبله عقل، ولا منطق. وهذا ما سيلحق الأذى بالجميع. فكما لهم حقوقهم، لنا حقوقنا. وكما لهم حياتهم السياسية، لنا أيضاً حقوقاً فمن المفترض أن يكون لها حرمتها في كل بلد. فاي علاقة لها طابع الاستكبار والسيطرة والاستغلال نأمل ان تنقلب الى علاقة صداقة واخوة. وما عدا ذلك هو رياء برياء. وكذب بكذب.