#dfp #adsense

اللاجئون العراقيّون في لبنان يحلمون بـ”الفيزا”

حجم الخط

اللاجئون العراقيّون في لبنان يحلمون بـ"الفيزا"

معاناة مزدوجة يعيشها العراقيون على أرضهم وفي الدول المجاورة، من بينها لبنان. تبدأ بالفرار من الاضطهاد والعنف في وطنهم، وتنتهي بالعيش في ظل ظروف مأساوية وتحت وطأة هاجس الملاحقات القانونية أو الترحيل. وحده الأمل بالحصول على فيزا الى دول إعادة التوطين يبقى حلماً بغدٍ أفضل.

“علّقوا لي رسالة مع طلقة رصاص على باب منزلي في الموصل، وأعطوني مهلة أسبوع لأغادر المنطقة وعائلتي”. يقولها بحسرة ويسكت طويلاً، فيما عيناه تائهتان لا تستقران على زاوية ما أو شخص ما. ندوبه الكثيرة تغطي الجهة اليسرى من وجهه، تمتد من أذنه ليخفي قميصه المزركش ما تبقّى منها.

يتأبّط ملفاً فيه أوراق كثيرة: بطاقة هوية، دفتر تسجيل سيارة، شهادة سوق، شهادات ميلاد وأوراق أخرى مماثلة… يمسك بملفه كما لو أنه كنز يحرص على عدم التفريط به. يجلس في ممر جانبي، يصل قاعة الانتظار بفرشها النبيذي المعتّق وأضوائها الخافتة، بمكتب موظفة “كاريتاس” التي تستقبل طلبات قاصديها في الطابق الثاني من مقر المطرانية الكلدانية في منطقة الحازمية.

هذا اللاجئ العراقي لم يكن الوحيد الذي ينتظر. آخرون غيره افترشوا القاعة. تارة يتسامرون بالكلدانية، لغتهم الأم، وتارة يسود صمت ثقيل. لكنّه الوحيد الذي وصل منذ أيام من العراق، ويكاد لا يقوى على الكلام. محاولات كثيرة سبقت موافقته على أن يروي حكايته، شرط عدم التقاط صور له أو كشف اسمه. “أهلي لا يزالون في الموصل، وإذا رأوا صورتي أو قرأوا اسمي هناك قد يقتلونهم من دون تردّد”، يقولها بانفعال ليسارع بعدها مضيفاً: “أنتم لا تعرفون شيئاً. من يده بالنار ليس كمن يده في الماء”.

الكنيسة جمعتنا!

يثير تردّد هذا اللاجئ في الكلام حفيظة اللاجئين العراقيين في القاعة. رجل في العقد السادس من عمره يقول: “إنها مؤامرة مدبّرة، الكنيسة هي التي كانت تجمعنا، واليوم لا القس ولا أي مطران يستطيع الكلام”. يتنهّد قليلاً ليمتنع بعدها عن الكلام. في الجهة الأخرى من القاعة، يعلو صوت امراة أربعينية : {لا نريد الحديث عن العراق هنا، نحن الآن في لبنان ونريد حلاً. نريد دولة تساعدنا، لا أن يبقى رجالنا تائهين وخائفين، ماذا تفعل الدولة سوى ملاحقتهم؟”

فيما يتابع الآخرون حديثهم، يغرق اللاجئ الوافد حديثاً في صمته وهمومه. ألفا دولار أميركي وحجز وهمي في فندق، كانت كفيلة لدخوله الأراضي اللبنانية عبر مطار بيروت الدولي بفيزا سياحية صالحة لمدة ثلاثة أشهر، يُعتبر وجوده خلالها قانونياً، ويصبح بعدها عرضة للملاحقة والتوقيف، وفقاً للقانون اللبناني.

معاناة هذا اللاجئ الذي يعيش الآن، في انتظار موعد حددته له مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في بيروت (UNHCR) منتصف كانون الأول على أمل الموافقة على إعادة توطينه في الولايات الأميركية المتحدة، عيّنة عن معاناة مسيحيي الموصل الذين يغادرون أرض آبائهم وأجدادهم نتيجة الاضطهاد الديني منذ مطلع شهر تشرين الأول. لا يتوقف الاضطهاد على تعرّض المسيحيين هناك لمضايقات بل يصل الى حدّ تهديدهم وإنذارهم بوجوب إخلاء منازلهم والمغادرة فوراً.

“لي الله يساعدني”

كثيرة الروايات التي يتناقلها اللاجئون العراقيون في لبنان والتي وصلت إليهم من أقاربهم هناك، أو من عائلاتهم التي تصل تباعاً. يروي اللاجئ العراقي، الذي رفض الكشف عن اسمه، كيف تعرّض وشقيقه لانفجار نتيجة سيارة مفخخة أدت الى استشهاد شقيقه ودمار سيارة الأجرة التي كان يعتاش منها. لا تزال شظايا الانفجار ظاهرة في وجهه والقسم العلوي من جسده، لكنه لا يأبه لها. “لي الله يساعدني ويشفيني”، يتمتم بصوت منخفض.

وفقاً للإحصاءات المتداولة، فإن ما يقارب ثلاثة آلاف عائلة مسيحية اضطرت الى مغادرة الموصل هرباً من أعمال العنف التي تطالها. وعلى رغم المواقف العراقية والعربية المستنكرة لتهجير مسيحيي العراق الممنهج، إلا أن ذلك لم يحل دون توقّف الاضطهاد وتوقّف مغادرة العائلات التي تتجه خصوصاً الى الأردن وسوريا، ووصل عدد منها الى لبنان، مرة بطرق شرعية عبر مطار بيروت، ومرة أخرى عبر الدخول خلسة عن طريق المعابر الحدودية عند نقطتي المصنع (البقاع) وحلبا (الشمال).

وإذا كانت الناطقة الإعلامية باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) في بيروت، لور شدراوي، تتحدث في اتصال مع “الجريدة” عن “مؤشرات لوصول عدد من العائلات المسيحية العراقية، من دون وجود تأكيدات أو معلومات دقيقة”، موضحة أن أولئك “يفضلون اللجوء الى المطرانية الكلدانية خوفاً من ملاحقتهم من قبل القوى الأمنية اللبنانية”، فإن جمعية “كاريتاس- لبنان”، الرائدة في متابعة ملف الأجانب، وخصوصاً اللاجئين العراقيين منهم، تؤكد وصول عدد كبير الى لبنان منذ بدء أحداث الموصل.

تهديدات في منازلهم

في هذا الاطار، تشير منسّقة مركز الأجانب في “كاريتاس” إيزابيل سعادة فغالي، في حديث الى {الجريدة”، الى أنه منذ مطلع شهر تشرين الأول تصل 10 عائلات مسيحية أسبوعياً كمعدل وسطي، أي ما يوازي حوالي 50 شخصاً تقريباً، وتؤكد أنهم يصلون بأوضاع مأساوية جداً. “وضعهم الاجتماعي صعب جداً، لم يتوقعوا حدوث ذلك معهم. التهديدات طالتهم في منازلهم، ويجبرونهم، من دون سابق إنذار، على المغادرة وإلا كان مصيرهم الموت”، تشرح فغالي، متوقّفة عند حالات الهلع النفسي التي يعانون منها، صغاراً وكباراً، نتيجة لما تعرضوا له في بلادهم.

إزاء هذا الواقع المأساوي، يبذل مركز المغتربين في “كاريتاس”، والموجود عبر أحد فروعه في مقر المطرانية الكلدانية، جهوداً جبارة لتأمين ما يلزم من مساعدات سريعة الى الوافدين الجدد، من دون اتباع الروتين الإداري الاعتيادي لتقرير نوع المساعدات، التي تشمل، وفقاً لفغالي، تأمين المساعدات الغذائية ومستلزمات الأطفال والشراشف والأغطية وأدوات التدفئة ودفع بدلات إيجار المنازل والمساعدات الطبية… ما يميّز “كاريتاس” عن سواها من مؤسسات المجتمع المدني المتعاونة مع مفوضية اللاجئين أنها تقدّم المساعدة للعائلات فحسب ولا تشترط حصول قاصديها على بطاقة لجوء، بل تكتفي بحيازتهم أي وثيقة تثبت هويتهم العراقية. هذا الأمر يدفع بجميع اللاجئين، وخصوصاً الذين يدخلون خلسة وبطريقة غير شرعية، الى ارتياد مراكزها للحصول على مساعدة فورية.

50 ألف لاجئ

بحسب آخر إحصاء أجراه المركز الدانماركي للاجئين، بناءً على طلب من (UNHCR) عام 2007، يقدّر عدد العراقيين الموجودين في لبنان بحوالي خمسين ألف لاجئ. استند الإحصاء، كما توضح شدراوي، الى مقابلات شملت 2000 عائلة عراقية.

عموماً، يتمركز اللاجئون العراقيون في المناطق والأحياء الفقيرة وأحزمة البؤس التي تحيط بضواحي بيروت. في الضاحية الجنوبية، ينتشرون خصوصاً في حارة حريك، حي السلم وبرج البراجنة. أما في الضاحية الشمالية، فيتواجدون في الزعيترية، السبتية، سد البوشرية والنبعا. يعيشون، شأنهم شأن اللاجئين الفلسطينيين في ظروف اجتماعية واقتصادية صعبة جداً، في ظل عدم اعتراف الدولة اللبنانية بحقوقهم كلاجئين، واستغلال أرباب العمل لأوضاعهم القانونية، لا سيما أولئك الذين يدخلون بطرق غير شرعية.

سيتا هاديشيان، مديرة وحدة “الدياكونية” والعدالة الاجتماعية في مجلس كنائس الشرق الأوسط، الذي يهتم ويقدّم المساعدة الى اللاجئين العراقيين بالشراكة مع مفوضية الأمم المتحدة وسائر منظمات المجتمع المدني، تلفت الى أن “المجتمع الدولي لم يولِ ملف اللاجئين العراقيين الاهتمام الكامل إلا بعد حرب 2003، مع كثرة تدفّق العراقيين الذين يتوجهون بشكل رئيس الى ثلاث دول: سوريا والأردن ولبنان”.

تشير هاديشيان الى أن عدم اعتراف بعض الدول وبينها لبنان بوضعهم كلاجئين، دفع المجتمع الدولي للتوصّل الى برامج إعادة التوطين، التي وجد اللاجئ نفسه في غيابها بين نارين: إما الاحتجاز في السجن لأجل غير مسمّى، أو إعادته رغماً عنه الى العراق، حيث ينعدم الأمن وتتعرض حياته لخطر الموت اليومي. السياسة الدولية الجديدة المتبعة منذ 2006، والتي تقوم على التعاطي مع العراقيين كنازحين، كما توضح هاديشيان، دفعت مفوضية الأمم المتحدة الى إيلاء موضوع اللاجئين أهمية كبرى وتفعيل عملها على صعيد التنسيق مع الجمعيات وتقاسم المسؤوليات في تقديم المساعدات الطبية والاستشفائية والغذائية والتعليمية…

وسائل حماية محدودة

في تقرير أعدّته بعنوان “شقاء هنا أو موت هناك – خيارات بائسة للاجئين العراقيين في لبنان” في أكتوبر 2007، ذكرت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، أن “اللاجئين العراقيين في لبنان يتمتعون راهناً بوسائل حماية قليلة ومحدودة للغاية… وما يحدث هو أن من يدخلون الى لبنان بصفة غير قانونية سعياً الى اللجوء من الاضطهاد أو من يدخلون بصفة قانونية للغرض ذاته ويبقون في البلاد لفترات أطول من المسموح بها في تأشيرات الدخول، يعامَلون على أنهم مهاجرون غير شرعيين ويتعرضون للاعتقال والسجن والغرامات والترحيل”.

في هذا الإطار، توضح شدراوي (UNHCR) أن لبنان لم يوقّع اتفاقية 1951 الخاصة باللاجئين أو بروتوكولها لعام 1967 الخاص بوضع اللاجئين. ولأن لبنان ليس طرفاً في هذه الاتفاقية، تتابع شدرواي، فإن المفوضية تقوم بالعمل الذي ينبغي على الدولة اللبنانية القيام به، لناحية تلقي طلبات اللجوء، والتأكد من استيفائها الشروط المحددة. لكن اللافت للنظر أن من بين خمسين ألف عراقي موجودين في لبنان، عشرة آلاف منهم فحسب مسجلون لدى مفوضية الأمم المتحدة.

في غياب وجود أي قانون خاص يطبّق على اللاجئين، فإن أحكام قانون عام 1962 لتنظيم الدخول الى لبنان والإقامة فيه والخروج منه تطبق على اللاجئين العراقيين. تنص المادة 32 منه على معاقبة الأجانب الذين يدخلون الى لبنان بطرق غير شرعية بالحبس من شهر الى 3 سنوات وبالغرامة والترحيل.

إعادة… قسريّة

في فقرة لاحقة، يتابع تقرير “هيومن رايتس ووتش”: “على رغم أن لبنان لا يعيد أياً من اللاجئين العراقيين الى العراق بشكل رسمي ضد إرادتهم، فهو يُكره الكثير منهم على “اختيار” العودة الى العراق. وباحتجازه العراقيين الذين يدخلون البلاد بشكل غير قانوني بغرض السعي الى الحصول على اللجوء، ثم منحهم الحق في “الاختيار” بين العودة الى العراق أو البقاء قيد الحجز لأجل غير مسمى، فإن لبنان يمارس الإعادة القسرية من الناحية الفعلية”.

يُذكر في هذا السياق أن حملات المناصرة التي اضطلعت بها مؤسسات المجتمع المدني مع الأمن العام اللبناني، لا سيما الجهاز القانوني في “كاريتاس”، أثمرت في شباط الفائت تسوية أوضاع ما يزيد على 200 عراقي كانوا محتجزين في السجون اللبنانية، وتحمّلت “كاريتاس” بالتعاون مع مفوضية اللاجئين رسوم التسوية مناصفة. كذلك، استطاع ما يقارب 600 لاجئ عراقي خارج السجن تسوية أوضاعهم بعد تأمينهم كفلاء لبنانيين.

في موازاة ذلك، تتمكن مجموعة ضئيلة جداً من اللاجئين العراقيين من جعل وجودها شرعياً في لبنان من خلال استحصالها على إقامة عمل دائمة. “لدى زوجي إقامة عمل دائمة في لبنان. لكن حياتنا صعبة من دون أموال”، تقول أزهار داوود بطرس، وهي تنتظر وابنتها في قاعة “مجلس كنائس الشرق الأوسط” في الحمرا، للحصول على مساعدة.

تتمالك أزهار نفسها عندما تتذكر معاناتها وعائلتها في الفترة الأخيرة التي سبقت قرار مغادرة العراق العام الفائت، وتفضّل الصمت لدى سؤالها عن حال أقاربها هناك. تغرورق عيناها بالدمع وهي تشير الى أن زوجها الذي يحمل إجازة جامعية يعمل في ورشة دهان في بيروت، وأن أبنائها الثلاثة اضطروا الى ترك مقاعد الدراسة للعمل في لبنان في وظائف متواضعة لتأمين لقمة العيش”. تضيف أزهار: “نعيش بصعوبة هنا، لكن المشكلة في الأموال. حلم كل إنسان أن يتابع أولاده دراستهم الجامعية”.

حلم الفيزا

في الطابق السفلي من بناء حديث وعصري في منطقة الدكوانة في بيروت، تعيش ريما مع زوجها وطفليها الصغيرين في غرفة صغيرة. تنتظر بفارغ الصبر الموعد الأخير الذي حددته لهم السفارة الأميركية في بيروت بعد حصولهم على موافقة مبدئية بالسفر الى الولايات المتحدة الأميركية. “حماتي وبناتها الإثنين سافرن منذ أشهر. أعطوهنّ منزلاً وراتباً وهم يتعلمون الإنكليزية”، تشرح وعيناها تشعان فرحاً. يضيف زوجها: “ننتظر أن نعيش، أن نعامل باحترام هناك. نريد أن نعلّم ولدينا ونؤمن لهما مستقبلاً لائقاً لا أن يكبرا في هذه الغرفة. لولا “كاريتاس” والله لما كنت أستطيع العيش هنا”.حلم هذه العائلة يكاد يطابق حلم معظم العائلات العراقية في لبنان، إن لم نقل جميعها. بين الاحتجاز الى أمد غير موقت أو الترحيل، وبين العيش في ظروف اجتماعية قاسية، يبدو حلم الفيزا خشبة الخلاص، وإن كان الواقع ليس على قدر الآمال المعقودة. تتحدث هاديشيان (مجلس الكنائس) عن خطة وضعها المجتمع الدولي لإعادة توطين 20 ألف لاجئ عراقي في الولايات الاميركية المتحدة، خصوصاً، وفي كندا وأستراليا، لكنها تبدي أسفها لعدم تحقّقها حتى اللحظة، بحيث لم يتجاوز عدد الذين أرسِلوا 3000 لاجئ، وجميعهم مسجّلون لدى مفوضية اللاجئين منذ العام 2003. في هذا الإطار، تعتبر فغالي أن “مجموع الذين أعيد توطينهم والمرتقب في المدى القريب لا يبدو على قدر من الأهمية مقارنة مع وجود 50 ألف لاجئ في لبنان”.

إعادة التوطين…بالأرقام

وفقاً للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في بيروت، فإن عدد الطلبات المقدمة الى دول إعادة التوطين ارتفع في الفترة الاخيرة، لأن تلك الدول رفعت عدد الأشخاص المستعدة لاستقبالهم. توضح شدراوي أنه في العام 2007، أعيد توطين 450 شخصاً، في موازاة قبول 2000 طلب حتى أواخر أيلول الفائت، سافر 900 لاجئ منهم، بينهم 526 خلال شهر أيلول، ومع نهاية العام من المتوقّع أن يصل عدد المغادرين الى 2400 شخص.

المصدر:
الجريدة الكويتية

خبر عاجل