رهانات الحزب القائد!
يتفق اللبنانيون على الحوار، ويختلفون على التحاور. يلتقون على ضرورة المصالحات، ويتناقضون في الرؤية اليها. يبدون الحرص على السلم الاهلي ولا يترددون في قضمه.
صحيح ان من الظلم التعميم في هذه التوصيفات. لكن منطق التصالح والتهدئة الطاغي اليوم على رغم النتوءات الكثيرة، يدفع الى تجنب التخصيص منعاً لاستنفار العداوات النائمة.
لكن الصحيح ايضاً، ان من باب التكاذب تجهيل الفاعل، خصوصاً ان ذلك يؤدي الى الأسوأ. فكيف اذا كان الفاعل اكثر من واضح ومعلن؟
مثال ذلك، انعقاد طاولة الحوار غداً. فرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان لا يني يردد أن زيادة عدد المشاركين امر متروك للمتحاورين. وعلى رغم ان هذا الرأي يتخطى مضمون اتفاق الدوحة الذي تبنى الحوار وطاولته (وعديد المشاركين فيها)، واستئناف المناقشة من حيث توقفت، وحضّ على العودة اليها برعاية الرئيس الوفاقي، بعد انتخابه، على رغم ذلك دلفت الغالبية، في معارضتها هذا التوجه، الى تبني ترك القرار للبت على الطاولة نفسها، تجنباً لتحويله سلعة للمزايدة في الشارع، تعيد إغراق الرأي العام في لزوم ما لا يلزم.
لكن المعارضة السابقة والأقلية الحكومية الراهنة أبت إلا أن تسعّر الجدل، بهدف تحويل اقتراح رئيس الجمهورية مشكلة ومعاندة، تحت شعار أن ما تراه من ضرورة لزيادة عدد المشتركين هو "مطلب جدّي"، ولم يعد ينقصها سوى القول انه "لحماية سلاح المقاومة" على نسق قولها في شوارع بيروت، ودساكر البقاع، ومعارج الجبل "السلاح لحماية السلاح".
ربّ قائل: وما الضرر، ما دام الانقسام في الحوار عمودياً، بين 8 آذار و14 آذار، مما يجعل عدد الحاضرين غير ذي تأثير، خصوصاً ان القرارات لا تؤخذ بالتصويت؟
والجواب، ان هذا هو مكمَن "القطبة المخفية"، في زعم الحرص على توسيع المشاركة. فبادّعاء البراءة و"الملائكية" تحوّل المناقشة من الاستراتيجية الدفاعية، الى أسماء مَن يجب أن يضم الى لائحة المشاركين. وبما أن بين جلسة الخامس من تشرين الثاني، والانتخابات في أيار من العام المقبل، نحو خمسة أشهر، وقياساً على المسافة الزمنية بين جلسة العودة الى الحوار قبل شهرين وجلسة الغد، فإن الأشهر المقبلة قد لا تتّسع لأكثر من جلسة ثالثة، بسبب من التحضيرات الرسمية ليوم الاقتراع الشعبي، اضافة الى استكمال الرئيس العماد ميشال سليمان زياراته للدول الشقيقة والصديقة.
لا يهدف تركيز خطباء ذكرى الموتى في نهايات الأسابيع على التوسيع إلا إلى وضع قوى 14 آذار أمام أحد خيارين: إما القبول بمشاركين جدد، لا يعدم "حزب الله" حيثيات ينسبها إليهم تحت عناوين الوفاق الوطني الأشمل، وإما إغراق "الطاولة" في جدل في الجدوى من ذلك وعدمها. والهدف، في الاثنين، تقطيع الوقت وصولاً إلى نتائج الانتخابات التشريعية التي يتوهم ورهطه أنه منتصر فيها حتماً، وواصل إلى حكومة يقودها تدمج الجيش في استراتيجية الحزب، وتماهي بين الدولة "والدويلة"، مستفيدا من "مظهر أبوة" للسلم الاهلي الراهن يحاول انتحاله .
إذا كان الحزب يريد الحوار على مقاس استراتيجيته، ففي ذلك ما يدعو قوى 14 آذار الى النظر أبعد من "الطاولة"، وعدم ترك الانتخابات تغفو على وسادة المصالحات، ما وضّب منها، الى اليوم، وما لم يوضّب بعد، لا سيما ان محاولات الإيحاء بتلاقٍ سياسي، يجر إليه بعض الافرقاء، على الاقل في الشكل، يعطي انطباعاً بالاسترخاء لجمهور الأغلبية، يضعف عصبها ان لم يتم إعادة استنفاره.
وبالطبع لا يكون ذلك بالتشنج، بل بإعادة الضوء الى عناوين وثيقة 14 آذار التي أعلنت العام الفائت، وتعميق عناوينها، التي وإن كانت جماهير انتفاضة الاستقلال لم تتخل عن إيمانها بها، فإنها تحتاج إلى تفاصيل تزيد اطمئنانها إلى صواب اختيارها.
لا يكفي القول بلبنان أولاً، ولا بالاستقلال الثاني، ولا بإعادة بناء الدولة، ولا بالديموقراطية، بل يحتاج جمهور "ثورة الأرز" إلى من يجيب كيف يكون لبنان أولاً، وما معنى الاستقلال الثاني، واي دولة سنحقق، وبم تختلف هذه الديموقراطية عما نعيشه من حال نسميها ديموقراطية. ولا تكفي كل هذه الإجابات، إن لم يعرف جمهور 14 آذار أن الانتخابات فرصة كي يستخدم صوته، وحقه في الاقتراع، سلاحاً للرد على سلاح 7 أيار، مرة واحدة، وإلى الأبد، خصوصا إذا ما صدق وعد الفريق الآخر بقبول نتائج العملية الديموقراطية، وعدم إعادة سلاح المقاومة إلى الداخل أداة فتنة وتخريب.
الطريق إلى ذلك يحتاج إلى أمرين: الأول، أن تتفهم قيادات 14 آذار أن أيار المقبل فرصة حسم سياسي، سلمي وديموقراطي، لا يمكن تفويتها، والندم بعدها على حسابات خاطئة، ومماحكات غير مجدية. والثاني، هو ان قوى 14 آذار أكبر عدداً وحضوراً، من أحزابها وتنظيماتها وهياكلها، وهي المرجحة لأي خيار، وأن غياب من يمثلها في القيادة، لا يعني تغييبها.