رئيس أسود في البيت الأبيض ؟
مساء اليوم بتوقيت بيروت يتحول العالم اميركياً. الاميركيون يندفعون الى صناديق الاقتراع وسط حماسة كبيرة قد ترفع نسبة المقترعين الى ما يزيد على 55 في المئة وهو رقم لم تصل اليه الانتخابات الاميركية منذ عقود، بينما يتسمّر العالم امام اجهزة التلفزيون ووسائل الاتصال الحديثة، لمعرفة من الذي سيصبح رئيسا في الامبراطورية التي تلفح رياحها العالم شئنا ام ابينا.
باراك أوباما الديموقراطي الذي قد يُسقط ما تبقى من عقد الارث العنصري في اميركا فيكون اول رئيس اسود في تاريخ الولايات المتحدة الاميركية.
او جون ماكين الجمهوري الذي يخوض حملة انتخابية لاهثة وراء منافسه الشاب. ويمشي فوق ارض مليئة بالحطام الذي خلفته سياسات الرئيس الجمهوري جورج بوش في خلال ولايتين شهدتا شريطا من الكوارث والحروب وانتهتا بالزلزال المالي الذي جعل اميركا تئن من الجروح ويئن معها العالم الذي صار بمثابة بحيرة متداخلة؟
❒❒❒
انه يوم "الامبراطور"، يوم "ابانا الذي في البيت". بمعنى انه ذلك الاب الذي سيدس اصابعه في شؤوننا جميعا في هذا العالم سواء كان البعض منا يقدم له الادعية والتمنيات، او يتمنى له البعض الآخر جهنم وبئس المصير.
هناك في المناسبة ثلاثة بلدان ذاهبة الى الانتخابات ولكن من شبه المؤكد ان المواطنين فيها لا يتابعون فيها الآن تفاصيل العملية الانتخابية في اوطانهم كما يتابعونها منذ ايام واليوم تحديدا في الولايات المتحدة.
☐ في لبنان يهتم الناس باخبار الانتخابات الاميركية اكثر من الانتخابات النيابية المقبلة عندهم لسببين على الاقل:
اولا – لان اميركا تلعب دورا كبيرا في الشرق الاوسط ولبنان. الى درجة ان المواجهة بين واشنطن وطهران وسوريا ايضا، جعلت لبنان ساحة من ساحات الصراع بين الطرفين.
وثانيا – لان الانقسامات الجذرية بين اللبنانيين دفعتهم الى اليأس من امكان اصطلاح الامور عبر تجديد عملية التمثيل العام، والى الاقتناع بان الاحتكام الى صناديق الاقتراع لن يؤدي الى التطوير والتحسين على قواعد المنافسة على الخدمة والعطاء الافضل.
وفي اسرائيل الذاهبة الى الانتخابات ينصب الاهتمام في شكل اساسي الآن على الانتخابات الاميركية، ليس لان للصوت اليهودي دوره المؤثر في هذه الانتخابات، وقد شهدنا منافسة متكررة بين ماكين واوباما على تقديم التعهدات لدعم اسرائيل، بل لان الادارة التي ستأتي مع الرئيس الجديد سيكون لها دورها الاساسي في مسألة الصراع العربي – الاسرائيلي وموضوع التسوية السلمية، وفي المسألة العراقية، وموضوع الارهاب الذي تريد تل ابيب الصاقه بالعرب.
اما في ايران الذاهبة الى الانتخابات ايضا، فان الاهتمام بالانتخابات الاميركية ونتائجها يتجاوز نسبيا متابعة الانتخابات الداخلية على خلفية الفرق في التوجهات التي يحملها كل من ماكين واوباما حيال الملف النووي الايراني.
وفي هذا السياق يقول ماكين "ان هناك امرا واحدا فقط اسوأ من القيام بعمل عسكري ضد ايران، هو السماح لها بان تصبح دولة نووية". ويدعو الى تشديد العقوبات عليها والاستمرار في عزل النظام الايراني.
في المقابل يؤيد اوباما الحوار مع طهران من دون شروط مسبقة رغم انه يرى انها تشكل خطرا على منطقة الشرق الاوسط والغرب بما فيه اميركا، وهو يتبنى نظرية الحوافز والاغراءات التي فشلت في حل الخلاف على الملف النووي الايراني.
❒❒❒
واذا تذكرنا ان ماكين كان من اشد المؤيدين لخطة بوش ارسال المزيد من القوات الاميركية الى العراق، وهو يعتقد ان الانسحاب قبل الحاق الهزيمة بـ"القاعدة" وتسلّم القوات العراقية الامن في البلاد امر غير مقبول. فيجب ان نتذكر في المقابل ان اوباما الذي كان قد عارض الحرب على العراق عام 2003 وعد في حملته الانتخابية بانهاء النزاع والبدء بسحب القوات في خلال مدة تستغرق 16 شهرا وتنتهي في منتصف سنة 2010.
اذا تذكرنا كل هذا يفترض ان نتنبه تاليا الى ان لبنان الذي كان في وقت من الاوقات واحدا من اولويات الاهتمام اليومي عند ادارة الرئيس بوش ثم ذهب الى الهامش، رغم كل البيانات والتصريحات الاميركية التي تنفي ذلك، قد لا يجد مكانا ظاهرا في روزنامة الادارة الاميركية الجديدة سواء كانت برئاسة اوباما او ماكين.
في اي حال، من الآن والى ان تتسلم الادارة الاميركية الجديدة وتدرس ملفات سياستها الخارجية لا يتوقع اي عاقل اي تحرك شرق اوسطي للبيت الابيض، قبل منتصف الصيف المقبل. ومن الآن الى ذلك التاريخ تستمر "السفينة اللبنانية" في منطقة من المضائق المليئة بالمحاذير، وخصوصا ان "بحارتها" سيكونون غارقين في المناكفات الانتخابية اكثر من اهتمامهم بعدم الاصطدام بالصخور.
❒❒❒
يبقى ان نتذكر ان الاحصاءات الـ159 التي اجريت واعطت دائما نتائج لمصلحة باراك اوباما، لن يكون لها اي تأثير في قرار الناخب الاميركي الابيض، عندما يقف اليوم وراء الستارة. فقد يعود الى احاسيسه اكثر من عقله، وخصوصا اذا تذكر على سبيل المثال الشعار الذي رفع على شكل سؤال في الحملة الانتخابية وهو: "رئيس اسود في البيت الابيض؟"، وعندها قد تحصل مفاجأة ماكين.
يبقى ايضا ان يتذكر الذين يعتبرون ان اوباما سيكون اخف وطأة او اكثر تفهما للقضايا العربية من ماكين، ان اوباما لانه اسود ومن اصول اسلامية سيجتهد في كل يوم لاثبات "العكس" وبهذا قد يصير العمى اذا كنا نرى في ماكين الكحل!