سرّ أميركا وحاكمها
لا ندري ما اذا كانت مصادفة حسنة ام سيئة ستحمل الاقطاب المتحاورين في لبنان الى قصر بعبدا في هذا اليوم التاريخي الذي سيحمل مع طلائعه الفجر الاميركي الجديد.
أوباما أو ماكين؟ بالتأكيد كانت هي المسألة القاطعة الحاسمة لفجر جديد لأميركا والعالم. ولكن من مقلب المعاناة اللبنانية وتجاربها المريرة والمشرقة في خليط عجيب لمكونات "ديموقراطية" تنازع البقاء والصمود رغم كل ما ينتهكها، يكتسب الشغف اللبناني بالحدث الاميركي مذاقاً مختلفا واستثنائيا يميزه، كما على الدوام، عن سائر امزجة شعوب هذه المنطقة وانفعالاتها ومفاهيمها في مواكبة احداث وتحوّلات ومتغيرات دولية عظيمة بهذا الحجم.
من مقلب الديموقراطية اللبنانية، على علاّتها ومكامن ضعفها وقوتها في آن واحد، يمكن تلقي الحدث الاميركي بأفضل ما فيه، اي النظر الى هذا الحدث بعين الشغف بالديموقراطية الحقة وليس بالاحكام "العقائدية" والديماغوجية الجامدة والمتحجرة التي لا تميز بين سياسات الادارات والحكام وخصائص الشعوب والامم.
يقول هذا الحدث – التحوّل، اياً يكن الآتي الى حكم اميركا هذا الصباح، إن سر اميركا هو ناخبها اولا واخيرا. وإن حاكم اميركا الفعلي هو اصغر مواطن اميركي فيها اياً تكن اصوله، وان اميركا محكومة بديموقراطيتها بما لها وعليها واياً تكن نتيجة الاختيار الحر.
ويقول هذا الحدث إن اكبر عراضة ديموقراطية عرفتها اميركا في تاريخها واذهلت عبرها العالم لم تكن سوى انعكاس لطبائع ديموقراطية متأصلة ومتكرسة بنظام انتخابي هو الاشد تعقيداً بين الانظمة الديموقراطية الغربية لأنه يعتمد آليات لا تبقي ادنى شك في ان مجموع الناخبين الاميركيين قالوا كلمتهم الحاسمة في الاختيار النهائي المتدرج على مراحل طويلة.
ويقول هذا الحدث ايضا إن ليس في العالم من يقدر على محاسبة ادارة غاشمة وظالمة او عادلة محقة، او ادارة مخطئة، او ادارة صائبة، سوى الناخب الاميركي نفسه. كما يقول ايضا إن شعار "الموت لأميركا" لا يُغني ولا يُسمن ما دام الاميركيون يحاسبون حكامهم، فيما اصحاب الشعارات ومن يماثلهم يؤبدون الحكام والسياسات الديكتاتورية ويقمعون الحريات ويدفنون كل محاولات التغيير.
سواء حمل هذا الصباح أوباما أو ماكين، فسيبقى سر اميركا واحداً هو الديموقراطية، بدليل ان العالم كله يحبس انفاسه متحسباً للمفاجأة العملاقة، بما يعني ان الاميركيين ينتخبون ولا يقترعون، وان نتائج الانتخابات هي رهن لحظتها الاخيرة، وان لا نتائج مسبقة في الانتخابات حتى تلك التي ترسمها استطلاعات الرأي.
في لبنان يغدو لهذا الحدث مذاق آخر على اطلالة تجربة انتخابية موعودة في الربيع، هو مذاق الاختيار فعلا بين ان يكون اللبناني ناخباً مقرراً او مقترعاً في صفوف الفرز المسبق. واذا كانت المصادفة وحدها حملت هذا التزامن بين اليوم الاميركي المشهود وعودة اقطاب الحوار اللبناني الى الطاولةـ، فلعلها من علامات فأل بأيام بيضاء تمهد للتغيير الحقيقي الذي يُعد وصفة الشفاء الناجعة للبنان ان يتذكر المتحاورون اليوم أنهم موجودون قسراً في اطار استثنائي موقت هو بديل من ضائع من مؤسسات يفترض انها تمثل الاطار الشرعي والمشروع والمستمر للحوار عبر العملية الديموقراطية الطبيعية. فلولا الطبائع الانقلابية لما كان ثمة حاجة الى "مؤسسة طارئة" لحوار رديف من مجلس النواب ومجلس الوزراء ومؤسسات الحكم. ولا أفق تاليا لأي استراتيجية دفاعية او اقتصادية او سياسية مطروحة على الحوار ما لم يعد الامر الى اصوله وجذوره، والى المسألة الحاسمة التي يتعلق بها مصير "الديموقراطية" العليلة وهي ارتضاء الديموقراطية وتكريس خيارها، وعبثاً اي حوار وكلام آخر.