#adsense

هل يتحول لبنان من النظام الديموقراطي إلى نظام الممانعة؟

حجم الخط

هل يتحول لبنان من النظام الديموقراطي إلى نظام الممانعة؟

قد يستغرب بعضهم أن يلحق وصف الممانعة بلبنان، بعد ان درجت وعلى مدى عقود تسميته بالواحة الديموقراطية في العالم العربي، والرائدة أو النموذجية في هذا المجال. وإذ نعتبر أن التحول من النظام الديموقراطي إلى نظام الممانعة، يشكل عملية تغيير جوهرية في تركيبة النظام، نستند إلى مبدأ أساسي هو أنه ما من دولة يمكنها أن تكون ديمقراطية وممانعة في الوقت ذاته. فالمفهومان نقيضان ولا يمكنهما أن يتعايشا أو يتساكنا في ديار واحدة، لأنه حين تحتم الديموقراطية حرية القرار عند الفرد، وتحترم خياراته الحياتية والمصيرية، وتقول بالانفتاح على كل القيم والثقافات والأديان(…)، نرى نظام الممانعة وحسب المفهوم المعتمد حالياً في العالم الشرق أوسطي، على نقيض من ذلك تماماً.

إن المقصود بـ»نظام الممانعة« ليس رفض الخضوع والاستقطاب والتعبية بل التقوقع والانغلاق والانعزال، واضطهاد المختلف، والانحصار ضمن فكر واحد، وإيديولوجية واحدة، وطائفة واحدة. كما تندرج في أدبياته ضرورة إعلان العداء المطلق للغرب ولثقافته، وللولايات المتحدة وليس لإسرائيل على وجه التحديد. وتحتم إيديولوجيته توجيه المواطنين وبرمجتهم فكرياً ونفسياً حتى يتحولوا إلى أرقام وأعداد أسوة بما كان حاصلاً إبان النظم الاستبدادية البائدة، ناهيك عن التحكم بخياراتهم الشخصية والعامة، وصولاً إلى تبرير كل العمليات الأمنية بحقهم، من منطلق محاربة العدو والشيطان الأكبر، واختزال قرارهم الحر فيما خص حاضرهم ومستقبلهم، وجرهم إلى حروب دونما تبريرات مسبقة لها. يبقى أن نشير إلى أن ثقافة الممانعة هذه والتي كانت تعني المحور السوري ـــ الإيراني ومن يدور في فلكهما من تنظيمات، أصبحت اليوم سوريا وهي التي كانت رائدة في مجال الممانعة، وكأنها ضيف شرف عليها، في ظل انطلاقة حركة الانفتاح والتحديث من قبل المجتمع الدولي باتجاهها.

واللافت أن مشعل الممانعة هذا، والتي سوريا هي على مشارف إنزاله، أو بشكل أدق وربما بالمرحلة القائمة على أقله، بصدد تخفيض وهجه، نشهد حاليا مساعي لبنانية حثيثة لالتقاطه من اليد السورية، من أجل رفعه عالياً من جديد، فالجري به إلى المجهول. والمجهول هو السعي لإحقاق أهداف، أو للوصول إلى مرام ليست جلية تماماً في المرحلة القائمة سوى أنها باتت تهدد جوهر النظام الديموقراطي في لبنان برمته وعلى علاته طبعاً، إذ لا أحد يمكنه أن ينكر أن النظام اللبناني فوضوي في ممارسة حرياته الديموقراطية، وطوائفي قبلي، وعائلي وراثي في عملية تبادل السلطة، ورأسمالي متوحش في بعض نواحيه، إلا أنه يحترم الرأي والرأي الآخر، ويتقبل الاختلاف بالمعتقد والدين والتعددية الفكرية والعقائدية، وهي ميزات صحية وثمينة في نظامنا، ولا يمكننا أن نستغني عنها أو نقايض عليها من أجل النفاد من التهديد بالأسوأ، خصوصاً ونحن نشهد أمامنا قافلة طويلة من الذين استشهدوا في سبيلها، وكانوا من أنبل وأشرف وأثمن وأغلى رجالات السياسة والفكر والأدب والصحافة في لبنان.

ولكن على ما يبدو وفيما يعقد حاملو لواء الممانعة ورافعو شعارها الهمة عبر الأقطار العربية للعودة عن الجبهة، نشهد عملية تعبئة ممنهجة للبنانيين بإقناعهم بأهمية دور الممانعة المتفوق أخلاقياً ووطنياً ودينياً على ما عداها من المواقف العربية تجاه الكيان العبري، وفي وقت تبدأ استراحة المحارب ولو »لفظياً» عند الجيران، نرى الساحة اللبنانية في مخاض صاخب لاستيلاد وتجهيز آله عسكرية متفوقة من ناحيتي العديد والعتاد. فالثلاثين ألف صاروخ التي وضعتها إيران بتصرف »حزب الله» يرتبط قرار استعمالها بطهران مباشرة، أي أنها استراتيجية استعمالها تخدم المصالح الإيرانية في المنطقة أولاً. يشرف على حسن انتشارها مئات العناصر والخبراء العسكريين الايرانيين السريين، الموزعين عبر الأراضي اللبنانية بدءاً بالجنوب، مروراً بالبقاع والضاحية الجنوبية، وصولاً إلى مناطق جبيل، وحتى إلى مرتفعات سلسلة الجبال الغربية. تحمي هذه الترسانة، من الناحية اللوجستية كما بات معلوماً، شبكة اتصالات خارجة عن إطار مراقبة الدولة، كما يشرف هؤلاء الخبراء العسكريون على تدريب وتسليح شباب من كل الطوائف وليس فقط من الطائفة الشيعية، دون أن ننسى المال النظيف الذي يغدق بسخاء على كلّ شرائح المجتمع ومختلف الطوائف اللبنانية.

وما الزيارة المفاجئة التي قام بها إلى بيروت نائب مدير الاستخبارات المصرية اللواء عمر القناوي، سوى من دافع القلق على مجريات الأمور في لبنان، وكرد على الزيارات المتلاحقة لقادة وأقطاب 14 آذار. وأن تحمل زيارة اللواء القناوي طابعاً عسكرياً ليس مستغرباً في ظل الأوضاع القائمة على الساحة اللبنانية نظراً لحرص مصر الدائم وغيرتها على مصير الشعب اللبناني واهتمامها بمد يد العون للبنانيين عندما كانوا يطلبون ذلك منها فيما مضى، فالأسلحة الدفاعية قد تكون ضرورية للبنانيين للدفاع عن أنفسهم.

وفي وقت باتت تستعمل إسرائيل مع سوريا لهجة التطمين وتطييب الخواطر، ومع لبنان لهجة التهديد بالويل والثبور وعظائم الأمور، نسأل المجتمع الدولي عما آل اليه العطف والعناية اللذين كان يحملهما الغرب وخاصة فرنسا للبنان ولنموذجيته. أم أن الأدوار باتت في طور الانقلاب، و»سبحان الذي يغيّر ولا يتغيّر«.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل