انهم يصنعون التاريخ
اميركا لا تختبئ من التاريخ بل تصنعه ، وهي اختارت التغيير وانجزته دون تردد .
بهذه الكلمات القليلة اختصر باراك اوباما انتصاره الكبير المدوي في الانتخابات الرئاسية الأميركية ، وحيّا بلاده التي انتقته رئيساً اسود لها ، بعد اكثر قليلاً من نصف قرن على بدء السماح للسود بالتصويت في الانتخابات الرئاسية حتى !
والرئيس الجديد الذي تجاوز بكثير رقم المندوبين المطلوبين لإختياره رئيساً ( المطلوب 270 فيما هو حصل حتى ساعات الفجر الأولى على 333 صوتاً ) سيبدأ التغيير المطلوب بوتيرة اسرع من ما كان سيفعل خصمه الجمهوري ، والاثنان لم يكونا راغبين في الاحتفاظ بالتركة الثقيلة لعهدي الرئيس بوش ، في مجال مكافحة الأرهاب من جهة ، وفي تداعيات ازمة الأسواق والأسهم المالية والانكماش الاقتصادي من جهة ثانية .
وفي الموضوع الأول وهو خروج الولايات المتحدة الأميركية الى العالم لمواجهة المتطرفين والأرهاب ، فإن الرئيس المنتخب كان قد ابلغ الـ CNN قبل 3 ايام " انه سيبدأ فور انتخابه مناقشة قضيتي الحرب في العراق وافغانستان مع قيادات الجيش الأميركي ، وانه يريد انسحاباً مسؤولاً من العراق خلال ما بين 18 و 24 شهراً " والتركيز بعده على محاربة القاعدة !
وفي المجال الأقتصادي سيرث الرئيس الجديد وضعاً اقتصادياً سيئاً وصعباً ومعقداً ، وربما هو الأكثر كارثية منذ الأزمة الكبيرة التي واجهها العالم في العام 1929 ، وهو كان قد تعهد بخفض الضرائب في الداخل الأميركي على اللذين لا يتجاوز دخلهم الـ 250 الف دولار ، واطلاق مشاريع استثمارية كبيرة ، وتوفير رعاية صحية للجميع ، وهذه كلها عناوين كبيرة لا تلحظ تفاصيل عملية ، وهي تلاقي هوى عند الناخبين اللذين يتأثرون بالعادة بشؤون الداخل الأميركي اكثر بكثير من القضايا الدولية كائناً ما كانت اهميتها وأولوياتها !
وعلى مستوى الشرق الأوسط ولبنان ، فإن محور الممانعة السوري – الايراني كان يتمنى وصول اوباما لأسباب متعددة تبدأ بأن الأدارات الديمقراطية السابقة كانت تميل الى المساومات وعقد الصفقات من جهة ، ولأن الفترة الانتقالية تتيح للدولتين المذكورتين مجالاً لألتقاط الأنفاس والأستعداد لما سيأتي من جهة ثانية .
ولبنانياً ، يتوقع ان توعز الدولتين الى الحلفاء بالتعطيل والشلل في الحوار وبنده الوحيد الباقي ! على امل ان يكون البديل عن الطاولة اللبنانية ، حواراً اميركياً معهما ! قد يوصل الى نتائج افضل على مستوى الملفات الثلاث الساخنة في المنطقة : فلسطين ، والعراق ، ولبنان .
وتسعى سوريا تحديداً الى تأجيل التداول في امر الاستراتيجية الدفاعية وسلاح حزب الله ، وهي تأمل في ان يتلاقى التمهل الجديد للأدارة الاميركية في درس الملفات ، مع التهويلات التي تقودها عند الحدود والتدخلات السافرة في لبنان، وان ينتجوا جميعاً تغييراً في المعادلة " ديمقراطياً " بما يدفع اوباما وفريق عمله الى الانفتاح عليها وتلزيمها الوضع اللبناني الداخلي مع او حتى بدون عودة عسكرية مباشرة ! قد لا تكون مرحبة ومرغوباً بها اقليمياً ودولياً !!
وفي هذا الأطار تصير مساعي ايران وسوريا وسعيهما الى الأمساك بلبنان عبر صناديق الأقتراع مفهوماً ، الأولى بالمال النظيف وسطوة حزبها المسلح ، والثانية بتجميع الحلفاء ومدهم بالعون اللازم لتمكينهم من الربح ! او اقلّه عدم الهزيمة في الأستحقاق الانتخابي القادم !
ويبقى ان كل هذه السيناريوهات يلزمها استسلام سياديي لبنان وتشرذمهم ! لأن وحدتهم ستجعل وصول دمشق وايران الى المبتغى مستحيلة ، وهنا المحور الذي تدور حوله قوى 8 آذار في اعلانها وتمنياتها وتسريباتها اليومية وحركتها الانتخابية من اليوم وحتى ربيع العام القادم .