الديمقراطية تصنع المعجزات
سعيد علم الدين
ما حدث فجر الاربعاء 5 تشرين الثاني في العالم هي معجزة بكل معاني الكلمات وبكل المعاجم واللغات.
هي معجزةٌ، كيف ان الرجل الاسود الذي جاء عبدا ذليلا وخادما مطيعا الى اميركا ليخدم اسيادها البيض، هو اليوم بفعل الديمقراطية النجباء: رئيسٌ على اسيادها، وسيد بيتها الأبيض، والقائد الأعلى لجيشها العملاق، وصاحبُ الكلمة الفصل في قرار حربها وسلمها.
هي معجزة، كيف ان الرجل الأسود قبل نصف قرن لم يكن يملك حتى حق التصويت في الانتخابات الأميركية، فما بالك بالترشيح!
هو اليوم بفعل الديمقراطية يحقق حلمه الكبير بصنع القرار الأميركي ومن اعلى القمم.
هذه المعجزة التي أعادت كامل الاعتبار للإنسان الأفرو ـ أميركي وبالتالي للإنسان الأفريقي لا يمكن ان تصنعها الا الديمقراطية التي تساوي حقا بين الناس لا دجلا، ولا تفرق بين امرأة ورجل، ولا بين ابيض واسود، ولا بين غني وفقير، ولا بين حزب وآخر، الا بالمنافسة الشريفة النزيهة للوصول الى السلطة. بالطبع من دون انقلابات دموية، وقرقعة سيوف غيبية، وقصف مدفعي برتقالي عوني، واغتيال المعارض او خطفه او قتله او سجنه.
فمن هنا، هذا انتصار تاريخي لإفريقيا السوداء قبل لاميركا البيضاء. وفي الحقيقة هو انتصار للإنسانية جمعاء! فلنحتفلُ به جميعا لأنه عرس ديمقراطي بامتياز ونتمنى ان يثمر خيرا: بحل القضية الفلسطينية حسب المبادرة العربية المعتدلة، وبالتالي قيام الدولة الفلسطينية الديمقراطية قريبا. وينتهي هذا الاجرام البشع بحق الديمقراطيين في لبنان من قوى 14 اذار وينتصر لبنان الديمقراطي على ميليشيات الأشرار. وتتحقق العدالة ويساق قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه من شهداء الاغتيالات الى المحكمة. وتنتهي المأساة العراقية وتنهض دولة العراق الديمقراطية رغم انف الحاقدين من انظمة الاستبداد الاستكبارية والشمولية اللاأخلاقية. وايضا ان يكون لهذا الانتصار الديمقراطي تأثير ايجابي على دفع عجلة الديمقراطية في القارة الإفريقية.
وان دل هذا الانتصار على شيء فإنه يدل على ان اميركا ليست الشيطان الأكبر، بل هي الديمقراطية الأكبر في هذا العالم.
وعلى ان الشعب الأميركي عامة هو شعب متواضع حضاري نبيل رقيق المشاعر، يبكي ويدمع من دون خجل من اجل وطنه، كما شاهدنا دموع جسي جاكسون بعد انتصار اوباما، وبوش بعد ضربة 11 سبتمبر الوحشية، مذكرا بدموع الاستاذ فؤاد السنيورة من اجل اطفال لبنان في حرب تموز الكارثية.
وان دل ذلك على شيء فانه يدل ايضا على ان الشعب الأميركي: ليس عنصريا، وليس استعماريا، وليس مستكبرا، وليس متعجرفا، وليس عرقيا، وليس فوقيا، وليس نرجسيا كما يتهمه نظام الملالي النرجسي المتخلف وآخرون نرجسيون.
ونحن العرب نستطيع ان نربح قلب اميركا ان احسنا التصرف، ولكن ليس على طريقة بن لادن وحزب الله في لبنان، وحماس في فلسطين، وجيوش ووحوش الارهاب الايراني السوري في العراق!
فألف مبروك لرئيس أميركا الديمقراطي الجديد باراك أوباما على هذا الانتصار! والف مبروك للشعب الأميركي الذي احسن الخيار!
انها عبرة لمن يعتبر!
كيف ان الرجل الأبيض الذي اراد ان يكون سيد الأرض وهو سيد اميركا بالطبع، ينحني اليوم بتواضع امام ارادة الشعب التي اختارت بحرية ابن المهاجر الكيني الأسود حسين اوباما على الأبيض ماكين ابن البلد.
ولهذا فان انتصار اوباما الساحق في المجتمع الأبيض هو عرس ديمقراطي تاريخي يجب ان تحتفل به كافة شعوب الأرض.
وعبرة لنا نحن العرب التائهون على غير هدى، لكي نهتدي ونسير على الطريق الديمقراطي المستقيم.
وهذا ايضا انتصار الهي لإرادة الشعب الأميركي الحرة في التغيير.
وفقا للآية الكريمة "إن اللهَ لايغيرُ ما بقومٍ حتى يغيروا ما بأنفسِهِم ( الرعد 11).
فالتغييرُ، الإرادةُ فيه وبوضوح ما بعده وضوح، وكما تشير الآية الكريمة، هي للإنسان وفقط للإنسان. لأن الله لا يغير، وانما الإنسان وحده هو المسؤول عن التغيير.
كيف لا والديمقراطية هي الدم الجديد الذي يتدفق كل اربع سنوات في المجتمع لكي يغير القديم بالجديد.
ولهذا فالنظام الديمقراطي لا يمكن ان يعرف الشيخوخة، لانه بتدفق دماء الشباب فيه يظل شابا.
فمارسوا الديمقراطية يا عرب قبل فوات الأوان! فنحن في عصر السرعة، والسرعة لا ترحم السلحفاة المتخلفة امام الغزال الديمقراطي!
ونحن في الزمن الديمقراطي، حيث التجدد والتغيير، لا يرحم من ينام نومة اهل الكهف في الظلام ولا يستنير!
علموا أطفالكم الديمقراطية من المهد إلى اللحد، لكي يحققوا أحلام الغد. ولا يهدروا طاقاتهم بدولة فاطمية أكل عليها الزمن وشرب.
ولو لم تشخ الدولة الفاطمية وتهترئ وتترهل، لما زالت شابة بها نتغزل!
ولو لم تشخ دولة الخلافة العثمانية العتيدة وتمرض وتهترئ وتترهل، لما زالت هي الأخرى امبراطورية مترامية الأطراف واقوى حتى من اميركا واعظم!
تمرمغوا في احلام العسل عساكم تخرجون الدبس من الوحل!
قال اوباما في زيارته الى برلين امام الجماهير في اشارة لافتة الى الاغتيالات في لبنان" اللبنانيون يدفعون ثمن ديمقراطيتهم بالدم".
نذكِّر الرئيس اوباما بهذا القول!
فانتصار الديمقراطية والعدالة في لبنان سيكون انتصارا للديمقراطية والعدالة في العالم العربي بأسره وسيكون له صدى ايجابي على باقي الدول الإسلامية.