جميل السيد موقوف "عصره وزمانه" يتمرد على القضاء ويزعم عدم استدعائه
لم يسبق لموقوف أو مشتبه به في تاريخ القضاء اللبناني أن تمرّد على القضاء، وأخضع التحقيق لمزاجه الشخصي. وجعل من زنزانته "الذهبية" منصة لشن حملة شعواء بلا هوادة على القضاء والقضاة، واتهم وخوّن وهدّد وتوعّد كما يفعل اللواء جميل السيد الموقوف منذ نحو ثلاث سنوات في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه.
ولم يعرف أي قضاء في أرقى دول العالم موقوفاً أو متهماً برّأ نفسه مسبقاً من جريمة منسوبة إليه، وشن حملة عنيفة على لجنة تحقيق دولية اختارتها الأمم المتحدة، وناصب العداء لمدعي عام تمييزي ومحقق عدلي وشهود ومحامين، وجيّر قوى سياسية تملك سطوة النفوذ والمال والسلاح لافتعال معارك تحت عناوين "الاعتقال السياسي" كما هي حال السيد.
ولم تسجّل قيود القضاء (الذي يهاجمه السيد من دون انقطاع) رقماً مرتفعاً في إقامته الدعاوى كالرقم القياسي الذي سجّله السيد في مقاضاة الاعلاميين وكل الذين يخالفونه الرأي والموقف والتوجه، وبكل تأكيد سيسجل التاريخ أن هذا الموقوف »فريد عصره وزمانه«، بحيث حوّل سجنه الى مكتب إعلامي لإصدار بيانات صحافية يومية، التي لا يوفّر فيها أي جهة سياسية تراهن على لجنة التحقيق الدولية والعدالة الدولية لكشف هوية مرتكبي جرائم الاغتيال في لبنان.
منذ توقيفه قبل ثلاث سنوات مع رفاقه الضباط علي الحاج ومصطفى حمدان وريمون عازار كمشتبه بهم وضالعين في جريمة اغتيال الرئيس الحريري دأب السيد على شن الحملات الإعلامية على النائب العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا وعلى المحقق العدلي السابق الياس عيد والحالي القاضي صقر صقر متهماً إياهم بالتآمر عليه والتواطؤ مع أخصامه السياسيين من أجل إبقائه في السجن محوّلاً نفسه الى »معتقل سياسي«، ومتذرعاً بأن توقيفه غير مستند الى أي دليل باستثناء إفادة الشاهد السوري محمد زهير الصديق التي لا تستند الى أي قرينة، مدعياً في كل بيان له أن لجنة التحقيق الدولية سلّمت المحقق العدلي كل ما لديها من وثائق وأن الأخيرة تبرّمت من مسألة توقيف الضباط لعدم وجود أدلة في حقهم.
والمفارقة أن السيد الذي ما انفك في بياناته يتحدى القضاء والمحقق العدلي بمواجهته بما لديه من أدلة ووثائق وإفادات شهود عن علاقته بهذه الجريمة، يرفض الآن المثول أمام المحقق القاضي صقر صقر لاستجوابه، وإجراء مقابلة بينه وبين الشاهد أحمد سليمان مرعي أحد أبرز موقوفي »فتح الإسلام« وهو امتنع عن حضور هذه الجلسة أربع مرات متتالية.
وأوضحت مصادر قضائية أنه في المرة الأولى والثانية أرسل السيد معذرة طبية يدعي فيها أنه متوعك صحياً ومصاب بإعياء وإسهال حاد، وفي المرة الثالثة تغيّب وكيله المحامي أكرم عازوري الذي اعتذر عن الحضور ما استدعى تأجيل الجلسة، وفي المرة الرابعة افتعل السيد إشكالاً مع حراسه والعناصر الأمنيين المكلفين سوقه الى مكتب القاضي صقر في قصر العدل بهدف خلق مبرر غيابه عن التحقيق ومواجهة الشاهد، حيث أنه وأثناء محاولتهم وضع الأصفاد في يديه كما كل مرة رفض تكبيله وهدّد بإيذاء نفسه إذا أصرّوا على ذلك ما أجبرهم على إبقائه في زنزناته وإبلاغ القاضي صقر بالأمر ما حدا بالأخير الى تأجيل الجلسة لمرة خامسة.
وفي هذا السياق، أكدت مصادر قضائية متابعة لهذا الملف لـ«المستقبل« أن إصرار جميل السيد على التغيب عن جلسات التحقيق، وتجنبه مواجهة أحد الشهود مثير للاستغراب ويطرح علامات استفهام حول هذا التصرف«.
وقالت المصادر: "من غير المفهوم حتى الآن كيف أن اللواء السيد يحاول تضليل الرأي العام عندما يتحدى القضاء أن يواجهه بالشهود، في حين يتهرّب هو من هذه المواجهة". ولفتت المصادر الى أنه بعد أن قدّم هذا الموقوف معذرة طبية للمرة الثانية عن عدم حضور الجلسة، فوجئنا به يصدر بياناً يقول فيه: "رغم مرور أكثر من سنة على تولي المحقق العدلي صقر التحقيق فإنه لم يستمع للواء السيد سوى مرة واحدة بناء لطلبه، ويسأل أين هو التحقيق الجدي؟ وأين هو التحقيق اللبناني؟ ولماذا اجترار محاضر اللجنة الدولية وشهودها مرة بعد مرة في لعبة تمرير الوقت والمماطلة بالاعتقال السياسي"؟
مصدر قضائي آخر حذر من محاولات تسخيف التحقيق والطعن بمصداقيته، لافتاً الى وجود نذر حرب جديدة تشن على التحقيق اللبناني والشهود الذين يعتمدهم هذا التحقيق«، وأعطى المصدر مثالاً على ما نشرته إحدى الصحف قبل يومين وما أسمته تحويل أحمد مرعي الى صدّيق آخر للايقاع بالضباط الأربعة، وقال المصدر أن القضاء لا يختلف الشهود ولا يبحث عن ضحايا، بل هو يتعاطى مع ملف اغتيال الرئيس الحريري بالاستناد الى ما يتوفر له من معطيات وقرائن فقط.
في المقابل أوضح مصدر قانوني لـ"المستقبل" ان إصرار اللواء السيد على التغيب عن جلسات التحقيق تبين أن متهمي القضاء بالتقصير هم الذين يعرقلون التحقيق، وبالتالي لا يمكنهم الادعاء ان القضاء لا يقوم بواجبه، ومن لديه القناعة المطلقة ببراءته عليه ان يتحلى بالجرأة ويتحمل المسؤولية في مواجهة أي دليل يوجه ضده.
وأبدى المصدر القانوني أسفه »لما يسوقه الضباط الأربعة عن »الاعتقال السياسي«، قائلاً: "صحيح انها قضية سياسية لأن الرئيس الحريري رئيس حكومة وهو رجل سياسي، لكن يجب عدم تسييس الإجراءات القضائية خصوصاً وان التحقيق لم ينته بعد وحول ما يسوّقه الضباط ووكلاؤهم عن خلو التحقيق الدولي واللبناني من أدلة ضدهم اعتبر المصدر القانوني أن هذه الادعاءات مبالغ فيها هدفها تجييش الرأي العام وأكد المصدر ان قانون أصول المحاكمات الجزائية يعطي قاضي التحقيق حق الاحتفاظ بما لديه من أدلة وقرائن ضد اي منهم وحق الاستنساب في مواجهة المتهم بهذا المعلومات أو التكتم عليها بحسب مقتضيات التحقيق. إذ انه وفي جريمة بحجم اغتيال الرئيس الحريري فإن قاضي التحقيق ليس مضطرا لكشف أوراقه".
وسأل المصدر نفسه كل مرة يجعل اللواء السيد من الشاهد محمد زهير الصديق "قميص عثمان" ويطالب باسترداده، ولكن لماذا لا يطالب باسترداد الشاهد هسام هسام الذي هرّب الى سوريا ولم يعد أحد يعرف مصيره؟ والمح المصدر الى وجود شهود مهمين للغاية قدموا للتحقيق معلومات بالغة الخطورة لكنهم اشترطوا إبقاء إفاداتهم طي الكتمان الى حين وصول الملف الى المحكمة الدولية, وهذا حق من حقوق الشهود، كما انه واجب على القاضي ان يحفظ سرية هذه الإفادات لحماية الملف وحماية حياة هؤلاء الشهود الى حين وضع المحكمة يدها على القضية.
ومن جهته استغرب عضو »كتلة المستقبل« النائب هادي حبيش حالة التضارب الشديد بين القول والفعل التي يمارسها اللواء جميل السيد في معرض تعاطيه مع القضاء اللبناني.
واعتبر حبيش أن اللواء السيد الذي يدعو باستمرار الى تسريع عمل القضاء والى البت بقرارات إخلاء السبيل التي تقدم بها محاموه الى قاضي التحقيق، والى العمل على إنهاء ملف الضباط الأربعة المعتقلين،هو أول وأهم من يعرقل عمل ومسيرة القضاء اللبناني ويؤخر ويعطل تحت ذرائع وأعذار مختلفة، مسار التحقيقات وأضاف فهو أخيرا رفض طلب قاضي التحقيق للمرة الرابعة على التوالي لإتمام المواجهة بينه وبين المتهم المدعو »أحمد مرعي« المنتمي الى تنظيم فتح الاسلام سابقاً والذي ادعى انه يملك معلومات مهمة جداً تستدعي مواجهته باللواء السيد، وإن الأخير قدم أعذاراً منها المرض مرة، واخرى عدم وجود المحامي، وأخيراً بسبب رفضه رفضاً قاطعاً أن يقاد مكبّل اليدين.
وأكد أن هذه التصرفات والمواقف التي يمارسها اللواء جميل السيد ستضعف موقفه وتؤثر عليه سلباً، فلا الأعذار التي قدمها مقنعة، ولا صرخته على المماطلة التي هو سببها ستقنع أحداً بعد اليوم ولا تشكيكه بالقضاء سينفعه شيئاً داعياً الجميع الى النأي بالقضاء اللبناني عن كل التجاذبات، وإبعاده عن الاتهامات السياسية وغير السياسية لأنها تساهم في إضعافه والانتقاص من هيبته.