#adsense

سيّدنا البطريرك

حجم الخط

سيّدنا البطريرك

يعمل رجال الدين في السياسة اللبنانية يا اخوان، نتيجة ظروف البلد وأوضاعه وأوجاعه الاستثنائية.
ثم نتيجة تفرده، بين كل الدول القريبة والبعيدة، في تداخل نظامه السياسي بنظمه الدينية الخاصة بكل طائفة من طوائفه.

ولأن رجال الدين، في الإجمال، دعاة إلفة على طول الخط، فهم يؤثرون الابتعاد قدر الإمكان عن التوغل في تفاصيل الصخب السياسي القائم في بلادنا. والذي تتداخل فيه شؤون المصير الوطني العام، بشؤون الرعية وتفرعاتها العائلية والمناطقية والتي »تنتعش« الى أقصى حدودها مثلاً في أوقات الانتخابات وما تحمله من حزازات مفهومة… وبهذا المعنى، فان الإطار العريض للقرار في أزمنة الحروب والكوارث والبلايا يترك في العادة للقادة السياسيين، فيما يقول الروحيون كلاماً عاماً مشجعاً، يبث الأمل والرجاء في النفوس المكتئبة والقلوب الحيرانة والعقول التعبانة.

يسري ذلك، على معظم أقطاب الطوائف وقادتها، لكن ما ميّز ويميّز بطريرك الموارنة هو تصديه الثابت، والمستمر والعنيد لكل هوى أراد شراً بلبنان وأهله، ولكل صاحب غرض أراد اقتناص غرضه على حساب دماء اللبنانيين وتعتيرهم وشحارهم. وما ميّز ويميز بطريرك الشرق والأمة، هو صلابته في قناعته، ورسوخه على ما يؤمن بأنه خير لوطنه، ورفضه المساومة أو المزج أو التفريط او الدخول في حسابات لا تمت الى المصلحة الوطنية العليا بصلة…

رجل مثير للاحترام والاعجاب سيدنا البطريرك. في أواخر الثمانينات من عمره لكنه حاضر الذهن، وقّاد الذاكرة. ملمٌ بزمنه وآليات زمنه، يتمتع بهمّة يحسده عليها كثيرون دون عمره بأشواط طويلة. ينظر فيرى، ويستمع فيسمع، ويفكر فينطق بالحق ولا شيء إلا الحق. شجاعٌ على دراية بمصاعب تلك الشجاعة، وثابت على دراية بمخاطر ذلك الثبات. تصدى لمهمة العمر ولم يتراجع: لانزال بلده وأهله عن صليب ظلم الحرب وطغيان الجهل ورعونة الانحياز بدون تبصّر. ولإخراجهم من أسواق المتاجرين بهم واللاعبين بمصائرهم… وما رفّ له جفن أمام قول كلمة الحق في وجه الظالمين كائناً من كانوا.

في الزمن الصعب، الذي عاشه مع اللبنانيين وهمومهم التي تنيخ تحت وطأتها الجبال على مدى السنوات الطويلة الماضية، ظل بطريرك الموارنة سيداً في إيصال كلمته وموقفه الى حيث يجب أن يصلا. وعرف بالفطرة والدرس والممارسة أين تبنى سيادة لبنان وكيف تُسترجع مع استقلاله، وكيف السبيل اليهما وكيف يمكن للكلمة في اللحظة المناسبة، أن تصبح الفيصل الوحيد، البتّار، القاسم بين شر الاعداء وخير الأبناء، وبين طموحات الوصي والمحتل وحقوق وطنه وأهله، وبين الظالم الطامع والمظلوم الذي يحمل الحق كالحامل الجمر في يديه.

سيدنا البطريرك. بطريرك الاستقلال والسيادة والقرار الحرّ والوطن المكتمل الهامة والمواصفات. انه من وطني لبنان لكنه بملء الشرق بل والعالم… أطال الله في عمرك.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل