انتصار الديموقراطية
المقارنة بين الديموقراطية الاميركية وديموقراطيتنا غير واقعية، والاختلاف شاسع بيننا وبينهم في المفهوم والممارسة، وفي أن لهم باعهم الطويل في فهم الديموقراطية السليمة، ولنا باعنا في تفصيلها قياساً على الأهواء، فنربط الديموقراطية بثلث معطل على سبيل المثال لا الحصر، بينما هم يقومون بعملية نوعية في تبادل السلطة وبأسلوب حضاري، وحلمنا يبقى دائماً ان نصل الى الحد الأدنى من هذه الديموقراطية السليمة.
.. المشهد الاميركي امس كان ناصعاً، إذ لم يكن المرشح الجمهوري جون ماكين محرجاً بإعلان هزيمته، بل سارع الى تهنئة الرئيس المنتخب الديموقراطي باراك اوباما، داعياً أنصاره الى الالتفاف حول القيادة الجديدة ومساعدتها لتنفيذ خططها.
.. كذلك فعل الرئيس جورج بوش، وسارع الى الاتصال هاتفياً بالرئيس المنتخب موجهاً إليه دعوة لزيارة البيت الابيض.
.. وهكذا تم عزل الخصومة عن الواقع الناتج عن الديموقراطية، وتم الاستسلام لمستلزماتها ومتطلباتها من دون أية عقد، وهذا أمر طبيعي في النظم الديموقراطية المتقدمة، والتي يحصل فيها التغيير بهدوء وقبول تامين، ويتم تداول السلطة انطلاقاً من الإحتكام الى الشعب الذي ينتخب.
… إذاً، العالم اليوم أمام رئيس اميركي جديد شاب، خاض حملته الانتخابية ببرنامج للتغيير، ولكن مع ذلك، فإن أمامه مهام صعبة ومعقدة، داخلياً وخارجياً، فهو سيواجه أزمة مالية عاصفة، هي الأشد منذ أزمة 1929 من القرن الماضي، كما انه مضطر الى مواجهة تداعيات الحروب الاميركية في افغانستان والعراق، والمشاكل الثلاث هي كبرى بتأثيراتها المدمرة، والتي تلقي بظلالها الكثيفة على المجتمع الدولي برمته.
لكن السؤال هو، هل سيّد البيت الابيض وحده صاحب القرار في أحداث على هذا المستوى؟
.. صديق تربطه علاقة حميمة بالرئيس الاسبق بيل كلينتون، وهو عارف ببواطن امور الادارة الاميركية، كان يردد دائماً أمامي "ان دور الرئيس في اميركا هو في أغلب الأحيان تنفيذ ما تخططه المؤسسة، والإدارة الاميركية هي جزء منها، والاستراتيجيات الكبرى ترسم معالمها هذه المؤسسة، والرئيس مضطر للالتزام بها.
في النتيجة هذه مسألة شديدة التعقيد، ولا مجال للغوص فيها، وتفصيلها في هذه العجالة، ولكن في ما يخص الحروب فإن من شبه الثابت ما يتحدث به البعض عن انها ضرورية لأميركا لثلاثة أسباب، أولاً، للتخلص من الاسلحة المخزنة في المستودعات، وثانياً، لتشغيل المصانع الكبرى، وثالثاً لاختبار فعالية الاسلحة الجديدة.
.. وإذا كان هذا صحيحاً، فهل يا ترى يستطيع باراك اوباما ان ينفذ وعوده للاميركيين بإنهاء الحرب في العراق وأفغانستان؟
واستطراداً، هل يستطيع الرئيس المنتخب تجنب أية حروب جديدة، والابتعاد عن التوترات في العالم؟
أو، هل يستطيع الإنكفاء الى الداخل الاميركي، ما يهدد نفوذ الدولة الأعظم والأقوى على مستوى الخارطة الدولية؟
اسئلة مطروحة، وأجوبتها سيتم تحديدها عند بدء الولاية الجديدة، ولكن المسلم به ان اميركا لها مصالح على مستوى العالم ولها مناطق نفوذ من الصعب جداً التخلي عنها، ولا يستطيع بالأساس سيّد البيت الابيض ان يتخذ خطوات على هذا المستوى لانها مخالفة لاستراتيجيات الولايات المتحدة.
… في مطلق الأحوال، فان هناك عملية تغيير في اميركا حصلت ديموقراطياً، إذ لأول مرة يصل الى البيت الابيض رئيس اسود اللون من اصول افريقية، ليتحوّل حلم مارتن لوثر كينغ قبل اربعين عاماً الى حقيقة واقعة، وهذا ما يعكس صورة ناصعة للديموقراطية والحلم الاميركيين.