السادة الأمييون !
على نفس الطريقة التي اتبعت عندما اقترع الفرنسيون لنيكولا ساركوزي واخذت دمشق والحلفاء يهللون لهذا الخيار الذي سيغيّر سياسة فرنسا في المنطقة ! ليكتشف الجميع ان كل ما تبدل كان ان الرئيس الفرنسي الجديد يجيد " التحاور" مع سوريا ودفعها الى تقديم سلسلة تنازلات تكاد لا تنتهي … دون ان يبدو في الأفق ان هناك بدلاً عادلاً او مقابلاًَ مغرياً للتراجعات السورية المختلفة ! المعلن منها وغير المعلن ايضاً !
واليوم بدأ محور الممانعة والحلفاء يعيدون نفس الأسلوب مع اختيار باراك اوباما رئيساً للولايات المتحدة الأميركية ، والذي يستمع الى الاعلام الايراني والسوري واعلام 8 آذار في لبنان ، يعتقد ان الرجل كان منذ البداية خياراً " ممانعاً " نجح الذين رشحوه في ايصاله الى سدة الرئاسة بعد معركة طاحنة على مستوى العالم اجمع !
وحقيقة الأمر ان الدول العظمى تبني استراتيجيتها على المستوى العالمي لـ 50 عاماً قادمة ، وهذه لا يستطيع الرئيس ان يعدل فيها او يغيّر في مسارها بإستثناء ان " الأسلوب " يمكن ان يتبدل كما رأينا سابقاً بين شيراك وساركوزي ، وكما سنكتشف لاحقاً في المقارنة بين بوش الأبن واوباما ، وهذه تأتي من طبيعة الرجال واختيار كل منهم اسلوباً وطريقاً للوصول الى الأهداف المستحقة التنفيذ !
ومواجهة الأرهاب على مستوى الشرق الأوسط واتهام كل من ايران وسوريا برعايته لن يتغيّر ، ودعم الدول المعتدلة ثابت هو الآخر ، وقرار اميركا والعالم بعدم السماح بأدوار اقليمية لدول بعينها خارج حدودها سيستمر ممنوعاً ، ودعم الديمقراطيات الناشئة سيكمّل خطواته ، والفارق الوحيد سيكون ان اسلوباً تغيّر بين الرؤساء والنتائج الناجمة عنه تبقى متطابقة والوصول اليها امر مؤكد ولو طال عليه الزمان .
وتغيير الدول الراعية للأرهاب على مستوى العالم " ثوبها " والعودة الى الحظيرة العالمية المضبوطة هو الهدف ، وسبيل الوصول اليه تختلف من دولة الى اخرى ، وهذا ما رأيناه عند " ليبيا القذافي " و " كوريا الشمالية " وهذا ما سنلمسه تباعاً عند السوريين الذين يقدمون براهين حسية الى الاذعان والتسليم ! والدور سيصل تالياً الى ايران ايضاً ! سواء اكان اوبوما في سدة الرئاسة او اي اميركي آخر ! وساركوزي في فرنسا او اي رئيس فرنسي ثانٍ … وهذه الاستراتيجية الواضحة المعالم والمرسومة بعناية شديدة غير قابلة الا للتطبيق دون اعتراض ، خصوصاً بعد احداث 11 ايلول 2001 التي هزت الولايات المتحدة الاميركية ودفعتها الى تولي القيادة بنفسها على مستوى المواجهة مع الأرهاب والسعي لإقتلاعه من جذوره في كل مكان يتواجد وينمو فيه ، ووفق الطريقة التي يراها " شرطي العالم " مناسبة ومفيدة .
ومن هذه الحقائق البديهية ، تبدو الديماغوجية المعتمدة من البعض وسيلة لإلهاء الناس وتخويفها بالتبدل المفاجئ للقرار الدولي وتراجعه امام " الصمود والتصدي " ، ملهاة مؤسفة تفعل فعلها عند السذج والبسطاء وتقودهم الى التسليم والاستسلام ! فيما الانطباع الحقيقي المتكوّن من التجربة الأوروبية الأخيرة مع سوريا يفيد بأنها مزمعة على التراجع والانكفاء ! مشترطة حواراً يحفظ لها " ماء الوجه " وتصوّره للناس على غير حقيقته ! صوناً للنظام وبقاءه واستمراره ولو على جدليات ملتبسة ولا تمت الى الحقائق العملية بصلة !
وعندما تختار دولة اقليمية ان توقف تدخلاتها لدى جيرانها طوعاً وتعلن التزامها بحسن الجوار والتعامل ، تنتفي الحاجة الى مواجهتها عالمياً ، والفارق هنا هو تصوير الأمر تراجعاً دولياً ! فيما هو في حقيقته نزولاً عند الضغوطات واستجابة للتهديدات وخوفاً على النظام الذي لا يقدر على الصمود في مواجهة الشرعية الدولية والأمم المتحدة والقرارات الصادرة عن اعلى المراجع فيهما .
ويبقى ان محور الشرّ سيكتشف ان ما شاهده في التجربة الفرنسية مع تغيير الرئيس ، سيتكرر في النسخة الأميركية " الأصلية " ايضاً ، وان " مرتا " الايرانية – السورية تهتم بأمور كثيرة … فيما المطلوب منها دولياً امر واحد : نبذ الارهاب بالكامل ، وقطع الصلات الرحمية معه ، دون زيادة او نقصان ! .