هل ينعكس فوز الاعتدال في الانتخابات الأميركية على دول المنطقة؟
إدارة أوباما قد تطبّق توصيات تقرير بايكر – هاملتون
كيف تقرأ أوساط رسمية وسياسية وشعبية فوز باراك أوباما برئاسة أميركا؟ وأي تأثير سيكون لهذا الفوز على السياسة الاميركية، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط؟ وهل شعار التغيير الذي رفعه في حملته الانتخابية يقتصر على السياسة الداخلية ام يشمل السياسة الخارجية ايضا؟ وهل يترجم هذا الشعار بقرارات مهمة ويكون في الاستطاعة تغيير ما تراكم على مدى سنوات في كل المجالات؟
الاوساط نفسها ترى ان مجرد فوز اول رئيس اسود لاميركا هو فوز للوحدة الوطنية الداخلية التي لم تعد تميز بين المذاهب ولا بين الاعراق. ولم يعد السؤال الذي يطرحه الناخب الاميركي على نفسه: من يحكم بلاده مسيحي ام مسلم، ابيض ام اسود، بل كيف سيحكم كي يحاسبه الشعب في صناديق الاقتراع.
وفوز أوباما، هو من جهة اخرى، فوز لخط الاعتدال والتعقل ولسياسة الحوار، بعدما ثبت فشل سياسة العنف والتهور حتى في مجال مكافحة الارهاب الذي ينبغي معالجة اسبابه قبل نتائجه، وفوز خط الاعتدال قد يكون له انعكاس ايجابي على الانتخابات المقبلة في المنطقة، سواء في اسرائيل او في ايران او في لبنان، ليصبح الحوار هو الوسيلة الفضلى للتفاهم بين الدول، وهو لغة المعتدلين وليس لغة المتطرفين التي انتهجها الرئيس بوش بلجوئه الى العنف الذي لم يحسم ما كانت تريد ادارته حسمه، سواء في العراق او في افغانستان او في فلسطين، حيث لم تعترف بنتائج الانتخابات تطبيقا للديموقراطية التي تنادي بها، ورفضت التعامل مع هذه النتائج لان حركة "حماس" التي تعتبرها الادارة الاميركية ارهابية، هي التي فازت فيها.
وكان مسؤولون اميركيون من الحزب الديموقراطي قد انتقدوا سياسة ادارة الرئيس بوش ومنهم من عملوا في ادارة الرئيس بوش الاب والرئيس كلينتون، مثل السفير دنيس روس، لان هذه الادارة رفعت العصا في وجه الانظمة المناهضة لها من دون ان تضرب بها، او انها لم ترفع العصا مع الجزرة لتجعل الخصم يختار بينهما عندما يكون عرض الجزرة مغريا ورفع العصا ليس للتهويل بها بل للضرب اذا رُفضت الجزرة.
وقد تكون سياسة العصا والجزرة هي التي ستعتمدها ادارة الرئيس الاميركي الجديد أوباما مع الانظمة التي هي على خلاف معها او ترفض الانفتاح عليها لاسيما ايران وسوريا، حتى اذا ما فشل الحوار معها كان عندئذ مبرر لاستعمال القوة اذا قضت الضرورة، وعندها يحظى استعمال القوة بتأييد حلفاء الولايات المتحدة الاميركية في الشرق وفي الغرب فضلا عن الشعب الاميركي.
ويقول دنيس روس في هذا الصدد الذي قد يكون له دور في الادارة الاميركية الجديدة، وهو حاليا مستشار لدى معهد واشنطن لسياسة الشرق الادنى، في مقال له في "الواشنطن بوست" نشر في آب 2006 تعليقا على صدور القرار 1701 عن مجلس الامن: "هل يمكن تطبيق هذا القرار كاملا. ان مثل هذا الامر مستبعد، لان تطبيقه هو رهن بالسوريين، الا في حال استطاعت القوة الدولية المنتشرة مع الجيش اللبناني منع اي عملية تجهيز لحزب الله. فسوريا هي اكثر عزما على احباط تنفيذ هذا القرار فلا بد ان تواجه بقدرة اكبر للقوة الدولية لوقف اي محاولات لمد "حزب الله" بالاسلحة ولمنع استعادته قوته القتالية، فهل ستكون لهذه القوة الدولية القدرة على التفتيش المركّز والمكثف، وهل تنتشر على كل الطرقات بين سوريا ولبنان كي تكون قادرة على تفتيش كل حركة للناقلات على هذه الطرق؟ وهل ستقيم نقاط تفتيش على طرق العبور بين الشمال والجنوب في لبنان للقيام بذلك، وهل يمكن عديد هذه القوة الدولية تأدية هذه المهمات ومنع "حزب الله" من تدريب عناصره واعادة بناء تحصيناته في المنطقة بين الليطاني وحتى الحدود الاسرائيلية، خصوصا انه سبق لوزير الخارجية الفرنسي ان اعلن انه لا يتوقع نزع سلاح "حزب الله". ولا شك ان وضع كل من الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني ما زال هشا، وفي استطاعة سوريا استغلال التباينات المذهبية المتصاعدة باستمرار في لبنان. فالتاريخ متخم بالقرارات الدولية الجيدة في شأن لبنان، لكنها لم تجد اي تنفيذ لها لان سوريا تمسك بالقدرة على اعاقة ذلك، فالرئيس بشار الاسد وصف انتصار "حزب الله" (حرب تموز) بانه هزيمة لمخططات الولايات المتحدة في الشرق الاوسط، فردت وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ان تنفيذ القرار 1701 سيشكل عقبة استراتيجية للنظام السوري. فهل ستغير سوريا في سلوكها لكي تجعل مصير هذا القرار مختلفا عن مصير غيره من القرارات السابقة؟
فسوريا تعتبر "حزب الله" ورقة يمكن استغلالها لجعل نفسها عاملا ولاعبا في المنطقة، او يمكن المتاجرة بهذه الورقة في الظروف الملائمة. لذا ينبغي افهام سوريا انها ستخسر شيئا مهما في حال عدم عزلها لحزب الله والقضاء عليه وان لديها ما يفيدها كثيرا في تغيير مسارها وان على الرئيس الاسد ان يرى ان سوريا ستدفع ثمنا واضحا اذا حاولت اعاقة تطبيق القرار 1701".
ويختم روس مقاله بالقول: "ان السوريين يرغبون في معرفة ما الذي سيجنونه من التعاون على تنفيذ القرار 1701. ويمكن ابلاغهم انه يمكن قلب الصفحة في العلاقات بيننا وبينهم وان منافع اقتصادية لا بد ستحل عليهم وستكون هناك مفاوضات لعملية سلام بين سوريا واسرائيل بشأن مرتفعات الجولان، غير ان ايا من هذه الامور لن تكون متاحة ان لم تكن سوريا مستعدة لعزل "حزب الله" و"حماس"، كي لا تظل هاتان المنظمتان تمسكان، وبدعم سوري، بوسائل تخريب هذه العملية في اي وقت".
وثمة من يرى استنادا الى تقارير اميركية ان اولى الخطوات المرتقبة في سياق تحسين العلاقة بين دمشق وواشنطن تكمن في تعيين سفير اميركي جديد في سوريا كإشارة الى الرغبة الاميركية في حوار اميركي – سوري واعد. وان الادارة الاميركية الجديدة قد تعيد الاعتبار الى التوصيات التي اوردتها مجموعة الدراسات حول العراق والتي عرفت بلجنة بايكر – هاملتون، خصوصا لجهة الترابط بين كل الملفات في الشرق الاوسط والدعوة الى التزام غير مشروط للحوار مع طهران ودمشق. فالتعاون الايراني سيكون له ارتدادات فورية وتلقائية في الحلبة اللبنانية – السورية، خلافا لسياسة الرئيس بوش التي عززت الانقسام الداخلي اللبناني وتحاشت الدفع في اتجاه سلوك سوري جيد، ولم تشجع على استئناف المحادثات السورية – الاسرائيلية، فكانت هذه السياسة جزءا من المعضلة وليست جزءا من الحل.
وترى ايضا استنادا الى التقارير نفسها ان الرئيس الاميركي الجديد باراك أوباما سوف يمشي في هدي هذه التوصيات ويؤكد ان لا عودة الى الاحتلال السوري الى لبنان، وان الحاجة الاميركية هي الى حس جيد كي تسمح بليونة في محكمة الحريري اذا كان من ضرورة لاجراء اي مقايضة"… وهذه الاهداف الاستراتيجية يجب ان تروج لتكيف لبناني داخلي وليس الى صراع والى تنشيط يد المفاوضات الاسرائيلية – السورية، وذلك بالذهاب نحو حوار ثنائي على مستوى رفيع مع سوريا. فرهان دمشق وطهران على مقايضة مع واشنطن ليس ضربا من الخيال…
والجدير بالذكر ان خلاصات تقرير بايكر – هاملتون تقترح الامور الآتية:
1 – تسوية شاملة بين العرب والاسرائيليين على كل الجبهات.
2 – حوار غير مشروط بين اسرائيل ولبنان وسوريا من جهة، والفلسطينيين من جهة اخرى.
3 – الامتثال الكامل للقرار 1701 الذي يوفر اطار استعادة لبنان سيادته مع التحقق في كل الاغتيالات التي تمت في لبنان.
4 – اعادة الجولان الى سوريا مع ضمانات اميركية لا من اسرائيل عبر وضع قوة دولية على الحدود.
5 – في ما يخص القضية الفلسطينية تنفيذ القرارين 242 و338 ومبدأ الارض في مقابل السلام.
الواقع، ان السياسة الاميركية هي سياسة متحركة تعتمد على تنفيذ مصالحها من دون مصالح الشعوب…