#adsense

قضية الأدوية الزراعية الصينية المزوّرة تتفاعل وسكاف قرّر إحالة الملف على التفتيش المركزي ثم تراجع!

حجم الخط

قضية الأدوية الزراعية الصينية المزوّرة لا تزال تتفاعل من دون حل نهائي
سكاف قرّر إحالة الملف على التفتيش المركزي ومنع استيراد الأدوية ثم تراجع!

قضية الأدوية الزراعية الصينية المنشأ والمزورة، بمعنى أنه تم تزوير أوراقها لتدخل الى لبنان كون لا شهادات منشأ لها مسجلة في البلد الأم كما تنص القوانين اللبنانية، هذه القضية لا تزال تتفاعل في ظل ما يشبه "التواطؤ" الداخلي في وزارة الزراعة وتلاعب بعض الموظفين ومساعدي وزير الزراعة، في "ضبضبة" الملف ومنع وضع يد التفتيش المركزي عليه لكشف المستور.

قضية الأدوية الزراعية المزورة بدأت تتكشف فصولها مع الاجتماع السادس للجنة الأدوية الزراعية الذي انعقد بتاريخ 18 حزيران 2008. وجاء في المحضر عن الأدوية الزراعية الصينية المنشأ الآتي: "عرض رئيس مصلحة وقاية المزروعات على لجنة الأدوية الزراعية الاتصالات التي قامت بها الصيدلة النباتية مع الجهات النباتية ومع الجهات المعنية في الصين وعبر السفارة الصينية في لبنان، وخصوصاً مع المسؤول عن إصدار شهادات تسجيل المادة الفعالة والمستحضر التجاري في وزارة الزراعة في الصين Ye-Jiming والتي تبيّن من خلالها أن المبيدات الزراعية من منشأ الصين تندرج في ثلاثة أقسام:

1 – قسم "مسجل" في وزارة الزراعة الصينية ولا خلاف عليه.

2 – قسم "غير مسجل" في وزارة الزراعة الصينية، وعليه فإن المستندات الموجودة في ملف تسجيل المبيدات الخاص بتلك الشركات المزورة.
3 – قسم مسجل لشركات "وسيطة" مما يناقض القرار 59/1 الصادر في تاريخ 26/2/2005".

اشارة الى أن القرار 59/1 المتعلق بتنظيم إدخال الأدوية الزراعية وتسجيلها واستعمالها في لبنان ينص في مندرجاته على الآتي: "تقدم شهادات استعمال وتسجيل المستحضر التجاري للمادة الفعالة في بلد المنشأ صادرة عن المراجع الرسمية المختصة. ويمكن الحصول على استثناء من أحكام هذا البند بناء على طلب يقدم الى مديرية الثروة الزراعية في وزارة الزراعة، يشرح فيه أسباب عدم استعمال الدواء في بلد المنشأ ويعدد بعض الدول الأخرى التي تستعمله أو هو مسجل فيها، مع تقديم شهادة تسجيل في إحدى هذه الدول. تستثنى من هذا البند الأدوية المحضرة محليا على أن تتقيّد بالشروط الأخرى".

هكذا بدت المشكلة واضحة المعالم: ثمة أدوية زراعية صينية دخلت الى لبنان بشهادات منشأ مزورة، وعددها يناهز الـ300 دواء.

كيف تعاطت الوزارة؟

طريقة تعاطي وزارة الزراعة مع ملف الأدوية الزراعية المزورة لم تكن مفاجئة للمراقبين بفعل عوامل عدة وتجارب سابقة. فبعد اجتماع لجنة الأدوية الزراعية وتكشف الموضوع، بادرت إحدى الشركات المستوردة للأدوية الصينية: "الشركة اللبنانية للزراعة والكيمياء" الى تقديم شكوى الى وزير الزراعة الياس سكاف حيال موضوع التزوير الذي ظهر.

سكاف، وفي ردّ فعل مسؤول إزاء القضية المثارة، بادر الى اتخاذ قرارين: الأول قضى بإحالة الموضوع على التفتيش المركزي لتبيان الموظفين المسؤولين عن "التغاضي" عن هذا التزوير. وقد أحال سكاف بتاريخ 23 آب 2008 الموضوع بصفة "عاجل وسري" على التفتيش المركزي، وموضوعه: التحقيق في شهادات تسجيل لأدوية صينية، والمرجع كان كتاب الشركة اللبنانية للزراعة والكيمياء.

وجاء في كتاب الإحالة: "بالإشارة الى الموضوع والمرجع المبينين أعلاه، ولما كانت الشركة وجهت إلينا الكتاب المسجل تحت الرقم 3361/3 تاريخ 21/8/2008، والمتعلق بشهادات تسجيل مزورة لأدوية زراعية استعملت لتسجيل هذه الأدوية في لبنان، ولما كانت لجنة الأدوية الزراعية لم تتعامل مع هذا الموضوع بجدية انسجاماً مع أهداف تشكيل هذه اللجنة وحفاظاً على تطبيق المواصفات المطلوبة للمبيدات، نتمنى عليكم التحقيق في أسرع وقت ممكن في هذا الموضوع والتدقيق في صحة المعلومات الواردة وجديتها في الكتاب المذكور أعلاه واتخاذ الإجراءات المناسبة بحق المخالفين والمتقاعسين من المعنيين بالموضوع، سواء كانوا أعضاء في لجنة الأدوية الزراعية أو موظفين في مديرية الثروة الزراعية.

ونتمنى عليكم إبلاغنا عن مدى تورّط الشركات الزراعية في هذا الموضوع في حال ثبوت ذلك، وذلك حفاظا على سمعة القطاع الزراعي وحصانته وتشجيعا للشركات التي تلتزم تطبيق القرارات والقوانين المرعية الإجراء". وطبعاً حملت الإحالة توقيع الوزير سكاف.

أما القرار الثاني الذي اتخذه سكاف فحمل الرقم 376/1، ويقضي بتعليق تسجيل ومنع استيراد بعض الأدوية الزراعية من منشأ صيني. وفي مضمون القرار الصادر في تاريخ 28/8/2008 أنه "وحيث تبيّن أن هناك بعض الأدوية الزراعية من منشأ صيني قد سجلت في سجل دائرة الصيدلة النباتية بناء على شهادات تسجيل واستعمال في بلد المنشأ مزورة مخالفة بذلك أحكام القرار 59/1 تاريخ 26/2/2005، وبناء على اقتراح مدير عام الزراعة بالإنابة، يقرر ما يأتي: المادة الأولى: يعلق تسجيل المبيدات الزراعية من منشأ صيني، الواردة في الجدول المرفق (تضمن أسماء الأدوية الـ300 المزورة) والمسجلة لمصلحة بعض الشركات الصينية، ويمنع استيرادها الى الأراضي اللبنانية اعتبارا من تاريخه وحتى إشعار آخر.

المادة الثانية: ينشر هذا القرار ويبلغ من يلزم، ويعمل به فور صدوره". (نشر القرار في الجريدة الرسمية العدد 36 الصادر بتاريخ 4/9/2008).

موظفون أقوى من الوزير!

حتى هذه المرحلة كان تعاطي سكاف مع الملف مثاليا ويستحق كل التنويه. ولكن ما فاجأ جميع المتابعين القضية هو تعامله اللاحق مع الملف. ففجأة لم تصل الإحالة المسجلة في ديوان وزارة الزراعة الى التفتيش المركزي في سابقة خطرة جدا على مفهوم العمل الإداري في لبنان. فمن يمكنه أن يمنع وصول إحالة وزير صحيحة الى التفتيش المركزي؟ وهل يمكن أن تصل "سطوة" بعض الموظفين مهما بلغ نفوذهم الى منع وصول الإحالة الى التفتيش المركزي؟

وتؤكد المعلومات المتوافرة أن موظفاً في مكتب سكاف تولى مع أحد المهندسين المحسوبين عليه سحب الإحالة والضغط على الموظفين في الديوان للتكتم عن الموضوع.

ثم جاء من اقنع الوزير بلفلفة الموضوع من خلال اللجوء الى أمور عدة، وهي:

– التراجع عن إحالة الملف على التفتيش المركزي والاستعاضة عنه بإجراء "تحقيق داخلي".

– التراجع عن القرار 376/1 وإصدار قرار جديد تمنح بموجبه الشركات المستوردة للأدوية المزورة شهرين لتصحيح أوضاعها!

– قيام المدير العام بالإنابة بإرسال كتب الى الشركات المعنية يطلب فيها تصحيح أوضاعها في مدة شهرين، يتم منع إدخال الأدوية المزورة بعدها. وجاء في كتب التبليغ الى الشركات: "تقوم وزارة الزراعة دوريا بعملية درس المستندات المقدمة في ملفات تسجيل المبيدات الزراعية. وقد تبيّن لها أن هناك شكا أو استفهاما عن بعض المستندات المقدمة من قبلكم في ملفات تسجيل المبيدات الزراعية لمصلحة الشركات الأجنبية من منشأ صيني. لذلك، يطلب منكم المبادرة الى مراجعة دائرة الصيدلة النباتية في مديرية الثروة الزراعية لتوضيح المستندات وتسويتها، آملين أن يتم ذلك خلال فترة لا تتجاوز الشهرين من تاريخه، حتى لا نضطر آسفين الى وقف تسجيل تلك الملفات".
وفي ما تقدم الكثير من الأمور التي تدعو الى الاستغراب والاستهجان.

صلاحيات التحقيق: لمَن؟

أما موضوع إجراء تحقيق داخلي فهو أمر جيد مبدئيا، ولكن السؤال: من سيقوم بهذه المهمة؟ المستشارون ام المفتشون؟ وإذا كان هناك مستشارون يهتمون بإجراء تحقيقات إدارية داخلية، فما هو دور التفتيش المركزي؟ وبمن تناط صلاحيات إجراء التحقيق اللازم في أمور إدارية داخل الوزارات؟

أما بخصوص التراجع عن القرار 376/1 وما تلاه من منح مهلة شهرين للشركات لتصحيح أوضاعها والكتب التي تولت الوزارة إرسالها الى الشركات، فأقل ما يقال في الموضوع أنه يشكل نوعاً من التواطؤ مع الشركات إذ أن هذه المهلة سمحت للشركات باستعجال استيراد كميات كبيرة من الأدوية المزورة قبل نفاد مهلة الشهرين. وسألت أوساط متابعة للملف: كيف يمكن إعطاء مهلة لمتابعة استيراد أدوية مزورة؟ وماذا يعني "تصحيح الأوضاع" ما دامت شهادات المنشأ مزورة؟ وماذا ينفع تأكيد الوزير سكاف أن الأدوية صالحة والمخالفة تكمن فقط في شهادة المنشأ؟ وهل للمختبرات في لبنان القدرة على إجراء تحاليل مفصل للأدوية؟ وحتى لو ثبت أن هذه الأدوية صالحة، فهل هذا يعفيها من تطبيق القوانين المرعية بضرورة حصولها على شهادة من بلد المنشأ؟

المفارقة أن وزارة الزراعة علقت بت هذا الملف في انتظار حصولها على جواب رسمي من السلطات الصينية، والتي كانت طلبت بدورها سؤالا يوجه بشكل كتاب رسمي من السلطات اللبنانية لتعطي جوابا رسميا. ولم تتضح المعلومات بعد حول ما إذا كان تم توجيه كتاب رسمي من وزارة الزراعة اللبنانية الى السلطات الصينية في هذا الخصوص. أما الغريب فهو أن تبقي وزارة الزراعة استيراد هذه الأدوية ساريا رغم مخالفتها القانون تحت ذرائع مختلفة، بما يؤمن مصالح بعض الشركات المخالفة على حساب القوانين.

طوني أبي نجم

المصدر:
النهار

خبر عاجل