أنتج وأخرج "فيلماً تلفزيونياً مخابراتياً" في توقيت مشبوه يذكر بأفلام بعثيي العراق
نظام دمشق "يقصف" السعودية و"المستقبل" بهدف العودة إلى لبنان
بقدر الاستغراب والدهشة اللتين أثارهما "الفيلم التلفزيوني" السوري عن اعترافات من وصفهم أنهم عناصر تنظيم "فتح الإسلام" بالقيام بأعمال إرهابية في سوريا، فإنه أثار أيضاً سخرية مؤلمة لدى المشاهدين، إذ أنه ذكر بالأفلام التلفزيونية التي كان يتبادل عرضها التلفزيونان البعثيان في كل من سورية حافظ الأسد، وعراق صدام حسين، ويتهم كل منهما الآخر بأعمال إرهابية في بلده، حيث كان القاسم المشترك بينهما، الأسلوب المذل والمهين الذي يظهر فيه الأشخاص المتهمون بالعمليات الإرهابية، وهم يدلون باعترافات سبق وأملاها عليهم المحققون.
في الشكل أيضاً هناك ملاحظات عديدة على الشريط التلفزيوني, إذ بدا وكأن المخرج حاول التذاكي على المشاهدين, بالإيحاء أن القصة المعروضة واحدة, يرويها شخص واحد, ويؤيده في إثباتها وتقديم "الأدلة" عليها أشخاص آخرون, ولكن ما يبدو واضحاً تمام الوضوح أن المونتاج كشف لعبة "المخرج", وبين الخدعة الكامنة وراء هذا السيناريو.
في المضمون أشياء كثيرة يمكن أن تقال, ولكن الأمر من مسؤولية السلطات الأمنية اللبنانية, وإذا كشفت التحقيقات بعمليات الاعتداء الإرهابية في لبنان, أسراراً ما, فإن القضاء اللبناني هو الذي يتولى التدقيق فيها وإصدار الأحكام.
يبقى أن الأهم في هذه المسألة, هو القراءة السياسية لهذه الخطوة السورية, وتوقيتها, واستهدافاتها, وخلفياتها الحقيقية, وهذا ما يعرضه لـ"السياسة" مصدر قيادي في قوى "14 آذار" على الشكل التالي:
أولاً: في كل مرة يقترب فيها موعد ما على علاقة بالمحكمة الدولية, يرتبك النظام السوري, ويخفي ارتباكه باستعراض سياسي أو أمني أو إعلامي, يعمل إما على إبعاد الشبهة عنه في جرائم الاغتيال في لبنان, وإما على تصوير نفسه ضحية للإرهاب, واليوم اعتمد الخيار الثاني, مع قرب إنجاز الترتيبات النهائية لقيام المحكمة وتحول المحقق الدولي دانيال بلمار إلى مدح عام فيها, وبدء استدعاء الأشخاص المتورطين, من سوريين ولبنانيين لاستجوابهم ومحاكمتهم. وعلى ما يبدو, فإن النظام السوري بدأ منذ فترة خطة تصوره ضحية تفجيرات إرهابية من صنع "القاعدة", ولعله سيستمر في هذه اللعبة في الأشهر المقبلة, ولم يكن الشريط التلفزيوني الأخير سوى تتمة لتفجير دمشق, ومحطة أساسية في هذه الخطة.
ثانياً: في التوقيت أيضاً, يستعد وزير الداخلية اللبناني زياد بارود لزيارة دمشق, ومن بعده وزير الدفاع اللبناني الياس المر, وذلك في إطار ترجمة مقررات القمة اللبنانية-السورية الأخيرة.
بالنسبة للجانب السوري فإن الأساس هو التنسيق الأمني, وبكلام آخر, تولي السلطات اللبنانية إبعاد أو اعتقال المعارضين السوريين المقيمين في لبنان, إذا وجدوا, وتسليمهم للمخابرات السورية, وعندما ادعت هذه المخابرات في شريطها التلفزيوني, أن قرار الاعتداء الذي نفذ في دمشق, اتخذ في لبنان, كانت تحدد سلفاً جدول أعمال زيارتي الوزيرين بارود والمر إلى دمشق.
ثالثاً: في التوقيت كذلك, ثمة طموح سوري قديم-متجدد باستدراج عرض أمني لدى الأميركيين, يقوم بموجبه النظام السوري, بالتخلص من "القاعدة" في لبنان مقابل إعادة الوصاية إلى هذا البلد, وكانت الإشارة في الشريط إلى علاقة "فتح الإسلام" بـ"القاعدة" في العراق واضحة للغاية.
وإذا كان من المبكر توجيه الرسائل إلى الإدارة الأميركية الجديدة مع انتخاب باراك أوباما, فإن المسعى السوري في هذا الاتجاه بدأ منذ مدة, وسيستمر في المرحلة المقبلة, على أمل أن تتعاطى هذه الإدارة بشكل مختلف عن الإدارة الحالية.
رابعاً: الاستهداف واضح وصريح في "الفيلم المخابراتي التلفزيوني" وسبق للرئيس السوري بشار الأسد أن أعلنه صراحة, عندما قال ان شمال لبنان أصبح معقلاً للتطرف والإرهاب, وتأتي "الاعترافات" المزعومة لعناصر "فتح الإسلام" وعلاقتها بـ"القاعدة" في العراق, "لتثبت" كلام الأسد, وتشرعن تدخله العسكري والأمني في هذه المنطقة.
وهنا إشارة إلى أن الاتهام لا يشمل بعض العناصر الإرهابية فيها, بل الأهالي عموماً الذين يوفرون الملجأ لهم, بالإضافة إلى ذلك فإن الإشارات المتعددة إلى "علاقة" الإرهابيين بـ"تيار المستقبل", تذهب في الاتجاه نفسه, وتفضح رغبة سورية جامحة بتصفية الحساب مع هذا التيار, الذي كان رأس حربة انتفاضة الاستقلال التي طردت الجيش السوري من لبنان, كما أنه المعني الأول بقضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
وقد سبق لأبواق سورية عديدة في لبنان, أن روجت لمعلومات عن حصول زعيم "فتح الاسلام" شاكر العبسي وجماعته للتمويل عبر بنك البحر المتوسط, الذي يملكه آل الحريري, ولكن الوقائع الدامغة والمعروفة للجميع, تبين أن هذا المصرف كان ضحية عملية سطو مسلح من قبل هذه الجماعة, ما أدى إلى فضحهم قبيل معركة مخيم نهر البارد.
خامساً: يتجاوز الاستهداف "تيار المستقبل" وفريق "14 آذار" وكل قوى "انتفاضة الاستقلال", إلى إحراج رئيس الجمهورية ميشال سليمان, والسلطة اللبنانية عموماً, إذ أن الجانب السوري سيطالب هذه السلطة عاجلاً أم آجلاً باستهداف "تيار المستقبل", بوصفه "متهماً" بدعم الإرهاب, فهل يعقل أن تصدق السلطات اللبنانية هذا "الهراء" السوري, وكيف ستتصرف إزاءه؟
وفي الإطار نفسه, يقطع السوري, باتهامه هذا, أي إمكانية لزيارة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة إلى دمشق, لبحث العمل الحكومي المشترك, لأن الأخير محسوب على قوى "14 آذار", وفي الوقت نفسه, فإن إبعاده هو أيضاً تصفية حساب انتقامي ضده, لأنه صمد أيام حكومته الأولى, في وجه المخطط السوري ومحاولة "8 آذار" إسقاطه وإسقاط "ثورة الأرز".
سادساً: لا ينسى النظام السوري في أية مناسبة إقحام المملكة العربية السعودية, والشريط يركز على دور السعوديين في تمويل تنظيم "فتح الإسلام".
وفي هذا المجال, يصفي السوريون حساباً آخر مع المملكة التي دعمت استقلال لبنان بقوة عن الوصاية السورية, وفي اتهامها "تلميح مخادع", يسعى للتذكير بدعم السعودية المالي للمجاهدين في أفغانستان أيام الاحتلال السوفياتي, ولكنه بقدر ما يبدو هذا الاتهام باطلاً, فإنه سخيف ومضحك, إذ أن المملكة تعاني أكثر من غيرها من إرهاب "القاعدة", وتخوض حرباً لا هوادة فيها ضد الإرهاب على أرضها, وتدعم بقوة الحرب الدولية عليه عبر العالم, فكيف يعقل اتهامها بهذا الشكل.
سابعاً: بالعودة إلى المحكمة الدولية, كان أحد رموز سورية في لبنان, وئام وهاب, عبر بصراحة عن مكنونات النظام السوري, عندما قال للملأ أن منفذ اغتيال الحريري سعودي, وأن الجهة التي قررت وخططت ونفذت, هي جهة أصولية إسلامية متطرفة.
الشريط التلفزيوني السوري يذهب في الاتجاه نفسه ليصيب عصفورين بحجر واحد: "السعودية اغتالت الحريري وتدعم الإرهاب في لبنان, والنظام السوري بريء ووديع وداعة الحمل".
ثامناً: لا يمكن استبعاد الرابط بين توقيت الشريط والانتخابات النيابية, وقد أكد أكثر من مصدر كلاماً سورياً عن إسقاط "تيار المستقبل" وقوى "14 آذار" في هذه الانتخابات, كمقدمة للعودة السورية إلى لبنان. وثمة تحضيرات جدية وعملانية بدأها اللواء رستم غزالة ومكتبه "اللبناني" من أجل ذلك.
وتأتي الاتهامات المزعومة في إطار تهيئة الأجواء الشعبية والنفسية لذلك, من خلال تصوير الضحايا "المستقبل" على أنهم المجرمون, ولكن هل بلغ غباء المخابرات السورية حداً جعلها تتوهم أن لبنانياً واحداً يمكن أن يصدق أكاذيبها, ليذهب إلى صناديق الاقتراع ويصوت ضد قوى "14 آذار"؟
يبدو أن المسألة أخطر من ذلك, وتخفي نية مبيتة بنسف هذه الانتخابات, إذا تبين في الأشهر المقبلة أنها ستكون لصالح قوى "14 آذار", وتوجيه الاتهام لهذه القوى بدعم الإرهاب هو الحجة الأفضل, أما سيناريو التعطيل فيقتضي منا الانتظار لمعرفة تفاصيله.
ويخلص المصدر القيادي في 14 آذار إلى أن "سخافة" الخطوة السورية-ظاهريا, ينبغي أن لا تخفي عنا خطورتها, فالنظام السوري يخطط بدقة, ويعمل بدأب, للعودة إلى لبنان, والتصدي لهذه العودة هو هدف اللبنانيين الأول في المرحلة المقبلة.