تهرّب السيد من مواجهة مرعي يأتي في سياق الحملة التحريضية السورية
«فتح الإسلام».. سوريّة التوجيه أمس واليوم وغداً
على الرغم من انتهاء معارك نهر البارد بين الجيش اللبناني و«فتح الإسلام»، الا أن هذه الأحداث التي شغلت الوسط اللبناني آنذاك لا تزال تداعياتها تتردد الى اليوم فمن تفجير عين علق مروراً بأحداث البارد وتفجيرات طرابلس والحديث عن تنظيمات أصولية تحاول العبث بالأمن وتوقيفات بـ«الجملة والمفرق»، والى اليوم ما زال الغموض يلف مصير هذا التنظيم وعلامات الاستفهام تُطرح حول نشأته وتمويله والأهداف التي رسمها لنفسه أو رُسمت له.
ولكن الأشد استغراباً ما قامت به بالأمس المخابرات السورية حين نسبت تفجير دمشق الى عناصر من «فتح الإسلام»، متهمة جهات لبنانية بتمويله، زاعمة أن «تيار المستقبل» في مقدمها، والتي وصفها المحامي فؤاد شبقلو بـ«الدراما السورية البعيدة عن الواقع والحقيقة والمركبة لأغراض سياسية في مقدمها كسب ود المجتمع الغربي عبر الإشارة الى أن سوريا مستهدفة من الإرهاب وليست من يصنعه»، مؤكداً أن «لا تبعات قانونية في لبنان من هذه الاعترافات لأن التحقيقات التي أجريت مع عناصر فتح الإسلام أكدت قدومهم بأسلحتهم وعتادهم من سوريا وبالتالي علاقتهم بالنظام السوري».
فالنظام السوري حاول أن يعطي لنفسه صك براءة من هذا التنظيم معتبراً أن مثل هذه الاتهامات تبعد عنه الشبهة وتعفيه من العواقب التي من الممكن أن يتحمل جزءاً منها إن لم نقل كلها، عند وصول التحقيق مع عناصر هذا التنظيم الى نتائج ملموسة، ولعل تهرب اللواء جميل السيد من المثول أمام المدعو أحمد أبو مرعي المنتمي الى «فتح الإسلام» يأتي في سياق ما تقوم به القيادة السورية.
«دراما سورية» في الاعترافات
وصف المحامي فؤاد شبقلو «ما بثته الفضائية السورية من اعترافات لعناصر فتح الإسلام حول قيامهم بتفجير دمشق وتلقيهم التمويل من التيارات السلفية في لبنان ومن »تيار المستقبل« بأنه أشبه بالدراما السورية»، معتبراً أن «اعترافاتهم تدين القيادة السورية لأنهم قالوا إنهم تلقوا التدريب في دمشق وحلب وغيرهما قبل دخولهم الى الأراضي اللبنانية»، مشيراً الى أن الهدف من هذه الاعترافات «كسب رضى المجتمع الدولي وبخاصة فرنسا والولايات المتحدة والقول بأنهم معرضون للإرهاب ويعانون منه، وتصوير شمال لبنان على أنه الخطر الأكبر على سوريا، وبأنه يحوي العناصر الإرهابية المرتبطة بالقاعدة».
وشدد شبقلو على أن «لا تبعات قانونية في لبنان لهذه الاعترافات لأن القضاء اللبناني ومن خلال التحقيق مع عناصر فتح الإسلام المعتقلين في لبنان يعلم جيداً أن هذه العناصر أتت الى لبنان من سوريا، وهي مجهزة ومدججة بالسلاح»، وبالتالي علاقتهم المباشرة بالنظام السوري بحسب ما يقول شبقلو الذي استغرب ظهور ابنة شاكر العبسي من دون برقع وسافرة الوجه وهي التي كانت قد ظهرت في لبنان بالحجاب قبيل السماح لها بمغادرة الأراضي اللبنانية«، في إشارة منه الى احتمال أن تكون هذه الاعترافات مجرد تلفيقات يواظب عليها النظام السوري لتبرئة سجله من هذه المنظمة.
«فتح الإسلام».. والنظام
ويتناسى نظام دمشق أن زعيم »فتح الإسلام« شاكر العبسي بقي في السجون السورية حتى العام 2005 ورفضت تسليمه الى السلطات الأردنية التي تلاحقه بتهمة الإرهاب، حيث تشير التقارير الى أن المخابرات السورية دربت العبسي طوال فترة سجنه تحضيراً لتسليمه مهمات أمنية محددة في لبنان، كما تشير المعلومات الى أن عناصر من التنظيم من جنسيات سورية وعربية يحملون جوازات سفر سورية صادرة عن السلطات الرسمية. هذا، ويدرك جيداً هذا النظام أن بعض العناصر دخل الى سوريا عبر الحدود مع العراق ومنها الى لبنان بتسهيل من السلطات السورية، كما أن بعضهم أتى من إيران عبر »خط السير« ذاته. وهذا بالإضافة الى تقارير تحدثت عن اتصال مباشر كان يتم بين قيادة فتح الإسلام والمخابرات السورية، لا سيما قبل أحداث نهر البارد. وعملية الربط هذه بين القيادتين كانت في أوجها في 13 شباط 2006 قبل يوم واحد من ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والتي كانت حينها 14 آذار تتحضر لمهرجان شعبي حاشد في ساحة الشهداء لإحياء الذكرى. كل هذا وأكثر يدعو فقط الى الاستغراب وطرح علامات الاستفهام مما يحاول النظام السوري القيام به من خلال هذه الاعترافات، حيث استطاع في وقت قياسي كشف منفذي تفجير دمشق في حين لم يكشف الى اليوم خيط واحد في عملية اغتيال عماد مغنية.
من سجين الى «زعيم»
ظهر تنظيم »فتح الإسلام« الى العلن في أواسط العام 2006، حين انشق هذا التنظيم عن ما يسمى بـ»فتح الانتفاضة« واتهم آنذاك القيادي في »فتح الانتفاضة« ابو خالد العملة برعاية هذا التنظيم، ولم يأخذ هذا الحدث صدى آنذاك كون التنظيم فلسطيني الهوية كما أشيع، وبالتالي مثله مثل أي حركة أو فصيل متواجد على الأرض اللبنانية، وبالتحديد في المخيمات أو خارجها.
تسارعت الأحداث مع ظهور معلومات تتحدث عن دخول عناصر تابعة لـ»فتح الانتفاضة« الى الأراضي اللبنانية وتوزعها على مركزي صامد في مخيمي البداوي وبرج البراجنة حيث بلغ عدد هذه العناصر الـ200وهي من جنسيات عربية مختلفة.
ثم خرج العبسي من السجن في سوريا عام 2005 بقرار رئاسي صدر عن الرئيس السوري بشار الأسد بحسب ما ذكر القرار الاتهامي في جريمة عين علق والصادر عن قاضي التحقيق العدلي رشيد مزهر. لينتقل مباشرة الى معسكر تدريب لـ»فتح الانتفاضة« في منطقة حلوة قرب راشيا ثم الى معسكر آخر في منطقة قوسايا في البقاع الأوسط ليتولى بعدها تدريب مجموعة حملت لاحقاً اسم فتح الإسلام الذي ضم جناحين متناحرين، الأول: تيار شاكر العبسي، والثاني، تيار يتزعمه أبو هريرة والحاج ناصر اسماعيل والمدعوم من عصبة الأنصار.
وفي 27 تشرين الثاني 2006 أعلنت المجموعة سيطرتها علي مراكز فتح الانتفاضة في البداوي وبرج البراجنة والانشقاق عنها تحت اسم فتح الإسلام. وفي 8 كانون الأول 2006، اعتقل في دمشق أبو خالد العملة ونجله الدكتور خالد وابن شقيقه الدكتور نهاد وأجبر على الاستقالة من مركزه قبل أن يوضع قيد الإقامة الجبرية لتخلو الساحة للعبسي.
بعدها تمركز العبسي وما يسمى بفتح الإسلام في مخيم نهر البارد على رأس مجموعة من 200 عنصر شكلوا نواة هذا التنظيم، وبدأت عملية تسليح منظمة وسريعة بعد أن أنهى العبسي تدريب المجموعة عسكرياً في قوسايا في البقاع الأوسط قبل انتقالهم الى البرج ثم الى نهر البارد، مستفيدة من الغطاء الأمني الذي أمنته حرب تموز وما تبع ذلك من حرية في حركة هذا التنظيم نظراً لتلهي القوى الأمنية والجيش بالحرب الإسرائيلية على لبنان.
وكان لا بد للعبسي من إنشاء جهاز قيادي لهذه الحركة يعاونه في تحقيق الأهداف، فجاء هذا الجهاز على الشكل الآتي: أبو مدين أو أبو مؤيد نائباً أول له، أبو الليث (وهو زوج ابنة العبسي) نائباً ثانياً له، أبو فراس مسؤولاً مالياً، أبو بكر مسؤولاً شرعياً، صالح علي عمر المقدع المهندي (وهو سعودي) مسؤولاً عن استقدام العناصر من السعودية وتأمين انتقالهم سواء من السعودية أو من الفنادق اللبنانية إلى مخيم نهر البارد، عزام نهار مسؤولاً عسكرياً، أبو خالد المصري مسؤولاً إعلامياً، أبو محمد مسؤولاً عن التدريب، أبو هريرة مسؤولاً تنظيمياً، مجدالدين عبدالحي عبود (أبو يزن) وهو المسؤول عن العمل الخارجي وعمليات التمويل الداخلي من خلال عمليات السطو على المصارف (المخطط الرئيسي لعملية عين علق)، وعمر نصر الحجي مسؤولاً عن التفجير باعتباره خبيراً بالمتفجرات (وهو أحد واضعي المتفجرة في الحافلة الثانية). وقسم التنظيم الى قسمين: داخلي لا يعرف عناصره ما يدور في الخارج من سرقات وتفجيرات وخطف وطلب فدية، وخارجي برئاسة »أبو يزن« الذي يتبع تسلسلاً إلى أبو مدين النائب الأول للعبسي، ويتولى أبو يزن وضع المخططات وينفذها.
عين علق.. البداية
في 12 آذار 2007 ، اتهم وزير الداخلية اللبناني الياس المر حركة »فتح الإسلام« بالوقوف خلف تفجير حافلتي ركاب في منطقة »عين علق« يوم 13 شباط، كما اتهم الاستخبارات السورية برعاية التنظيم، قائلاً: »الجميع يعرف من هي الجهة التي تقف وراء ما يسمى بـ (فتح الإسلام) أو (فتح الانتفاضة)، التي هي جزء من الجهاز الاستخباراتي السوري«. فكانت هذه المحطة نقطة البداية لعمليات هذا التنظيم أو بالأحرى كانت تاريخ بدء الحديث عن تنظيم إرهابي يقف وراء تفجير الوضع الأمني من منطلق علاقته بأجهزة مخابرات معروفة وبالتحديد المخابرات السورية.
حينها حاولت السلطات السورية أن »تبيع موقف« للغرب فقدمت للمنسق الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي »خافيير سولانا«، ملفاً كاملاً عن حركة فتح الإسلام، وصلتها بفتح الانتفاضة وتفاصيل تخص الأردني شاكر العبسي، بما في ذلك التحقيقات والمستندات عن صلة هؤلاء بتنظيم »القاعدة«. نافية في الوقت ذاته وجود أي علاقة لسوريا بما نشرته وزارة الداخلية اللبنانية حول ضلوع المخابرات السورية في دعم تنظيم فتح الإسلام.
و «البارد»..بداية النهاية!!
بعدها بأيام قليلة قام مسلحون من »فتح الإسلام« باعتقال ثلاثة عناصر من قوى الأمن الداخلية في مخيم نهر البارد، وصادروا أسلحتهم الآلية، واحتجزوا العسكريين، ثم أطلقوا سراحهم، لتكون هذه مقدمة المواجهة بين قوات الأمن وعناصر التنظيم، ولتتحول بعدها الى مواجهات مع القوى الأمنية اللبنانية في شوارع المية ومية على خلفية مداهمة فرع المعلومات لإحدى الشقق التي استأجرها عناصر هذا التنظيم والتي شكلت خلايا تحرك للقيام بالأعمال المخلة بالأمن حيث عمدوا سابقاً الى السطو على بنك البحر المتوسط، أما السبب الأساس في اندلاع أحداث نهر البارد فكان الاعتداء الوحشي الذي نفذته »فتح الإسلام« ضد الجيش اللبناني والذي ذهب ضحيته 11 شهيداً في صفوف الجيش، هذا الاعتداء أتى نتيجة للمداهمات التي نفذتها قوى الأمن في أحياء طرابلس ضد عناصر التنظيم، ليضرب الجيش طوقاً على المخيم وتبدأ المواجهات مع فتح الإسلام في محيط المخيم، ما لبثت أن توسعت الى داخله في ظل القتال الشرس من قبل هذا التنظيم والتدريب المتمرس بالإضافة الى الأسلحة المتطورة والعتاد الحربي الكثيف الذي يدل على النوايا المسبقة لهذا التنظيم في افتعال المشاكل والمواجهات مع السلطة اللبنانية، كما سبقت المعارك انفجارات متنقلة بين المناطق اللبنانية من الأشرفية الى فردان ومن ثم عاليه في غضون أيام معدودة بين 19 و23 أيار 2007 لمحاولة تشتيت الأنظار عما يحدث في البارد وايجاد مصادر إلهاء للجيش اللبناني. وبعد معارك عنيفة ذهب ضحيتها العشرات من أبناء المؤسسة العسكرية خرج وزير الدفاع الياس المر ليعلن انتهاء المعارك في 21 حزيران مع استمرار الجيش بالقيام بعمليات تمشيط للمخيم بحثاً عن الإرهابيين. شاكر العبسي لم يكن من ضمن الضحايا ولا الموقوفين، اختفى وما يزال مصيره مجهولاً الى اليوم في ظل معلومات تحدثت عن اعتقاله في سوريا وهو ما نفته زوجته، في حين أن اعترافات المعتقلين من هذا التنظيم تؤكد التوجيهات المحددة التي أعطاها النظام السوري لقادة »فتح الإسلام«.