أول انتكاسة… على الحساب!
يُسجل لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة انها تعاملت بمنطق الدولة لا بمنطق فريق او طرف، مع اول انتكاسة لمسيرة عهد الرئيس ميشال سليمان في تطبيع العلاقات مع سوريا وهي بالكاد في بداية اقلاعها.
فالمضي في زيارة وزير الداخلية زياد بارود لدمشق اليوم مع ترك التفويض المعطى له في تشكيل الوفد الذي يرتئيه، دلل على امرين مهمين في صياغة القرار الرسمي يستأهلان تظهيرهما، وهما اولا ان الحكومة في جلسة لم يترأسها رئيس الجمهورية لم تتخذ قرارا اجرائيا يعتبر رجوعا عن قرار اتخذ برئاسته سابقا. وثانيا: ان الحكومة مضت في تنفيذ ما اتفق عليه في القمة اللبنانية – السورية في آب الماضي رغم اخلال الجانب السوري على الاقل في شكليات التعامل بين دولتين مستقلتين بالاصول القانونية والقضائية التي تفرضها اصول التعامل مع "طارئ" امني مثل مسألة الشريط الذي بثه التلفزيون السوري.
معنى ذلك، في معزل عن كل ما اثاره ويثيره هذا الشريط من التباسات معروفة وخفية، ان القرار الحكومي اسقط في جانب منه البعض الخطير مما قد يكون اريد للاتهامات التي وجهت عبر الشريط التلفزيوني السوري ان يتسبب به، الى جانب اهداف اخرى عدة، وهو التسبب بأزمة انقسام حكومي تضاف الى احراج العهد في هذه المسألة التي تحشره وتقيده في لحظة غير محسوبة على الاطلاق بالنسبة اليه. فلقد ساد الظن ان الهدية المنتظرة قبيل نهاية السنة الحالية هي فتح السفارتين اللبنانية والسورية في دمشق وبيروت تتويجا لخطوة اقامة العلاقات الديبلوماسية التاريخية بين البلدين. فاذا بالاتهامات المريعة لفريق لبناني تعيد اشعال الخطاب العدائي، وكأن ملف "العلاقات" عاد الى نقطة الصفر. وكان يمكن ضربة قاسية كهذه لمسار يشكل ركيزة اساسية للعهد ان تتسبب بدومينو انهياري دفعة واحدة لو قيض للانفعالات وردود الفعل العشوائية ان تقتحم مجلس الوزراء وتمعن في إثارة الانقسامات الجاهزة دوما بين فريقي 14 آذار و8 آذار. ولو حصل ذلك لكان العهد مُنِيَ بانتكاستين بالغتي الخطورة، احداهما احراجه بازاء التزامات وثقت في القمة اللبنانية – السورية وبدأ تنفيذ بعضها انطلاقا من العلاقات الديبلوماسية ولو غير مكتملة بعد، والثانية احراجه امام مظهر طارئ اضافي من مظاهر الانقسام الداخلي.
وقد يكون اي استخلاص لمآل هذا الملف الجديد متسرعا ومشوبا بالارتجال قبل انكشاف البقية المتبقية من اهداف واساليب وسلوكيات هي جميعها في المرمى السوري بعد تسديد الضربة الاولى "على الحساب" لمسار التطبيع. لكن الخلاصة التي لا يرقى اليها شك تبدو في مرمى العهد اللبناني من خلال ادراكه دون شك ان ما جرى في الايام الاخيرة يشكل انذارا مبكرا حيال الصعوبة القصوى التي تواجه مهمته في "تعويد" دمشق على التعامل مع لبنان كدولة مستقلة بصرف النظر عن موقفها من حلفاء وخصوم، وكذلك عن مواقف حلفائها وخصومها اللبنانيين منها.
بطبيعة الحال مسألة "تعويد" الدول على احترام سيادة لبنان واستقلاله لا تقتصر على سوريا وحدها، فمعظم الدول المتورطة في النزاعات اللبنانية تحتاج الى مدونة سلوك لن تأتي الا من الداخل اللبناني اولا واخيرا لجعل هذا الاحترام من فرائض تعامل الدول واصوله مع "دولة لبنان المستقل". غير ان احدا في العالم لا يمكنه تجاهل التفاوت الكبير في درجات التعامل والتأثير والنفوذ والطرق والاساليب المتداخلة بفعل الماضي والحاضر والمستقبل الذي يجعل الملف اللبناني – السوري يحتل صدارة الاولويات في تصويب الخلل السوري المزمن والكف عن رهانات تأليب بعض الداخل اللبناني ضد بعضه الآخر.
وإلا فأي تفسير لهذه الانتكاسة التي عاجلت عهد الرئيس سليمان، كأن دمشق تفصح علنا انها لن تعترف بالتزامات قطعتها له الا بعد اكتمال "سلطة" ما في لبنان تحيي "العادات" المتأصلة لديها؟