#adsense

الخلافات اللبنانية – السورية: التداعيات… والمعالجات

حجم الخط

الخلافات اللبنانية – السورية: التداعيات… والمعالجات!

لم تعد زيارة وزير الداخلية الشاب زياد بارود إلى سوريا اليوم خطوة صحيحة باتجاه تصحيح العلاقات مع دمشق، وفتح صفحة جديدة في التعاون والتنسيق الأمني بين البلدين، بقدر ما تحوّلت إلى محاولة يائسة لنزع الألغام وتطويق أجواء التوتر التي خلّفتها الاعترافات السورية المتلفزة لشبكة <فتح الإسلام>·

كان الرهان اللبناني على زيارة وزير الداخلية، والتي تتم تحت سقف قمة دمشق التي جمعت الرئيسين ميشال سليمان وبشار الأسد، أن تكون فاتحة عهد جديد للعلاقات الأخوية بين البلدين الجارين تقوم على الاحترام المتبادل لسيادة وخصوصية كل بلد للآخر، وتكون محطة مفصلية لإعادة تفعيل التنسيق الأمني بين بيروت ودمشق ضد الإرهاب، وضد كل من تسوّل له نفسه العبث بأمن البلدين على نحو ما حصل مؤخراً من تفجيرات في طرابلس ودمشق في حادثتين متقاربتين في الأهداف والأبعاد، زمنياً و··· أمنياً·

ولكن الحرص الحقيقي على تصحيح العلاقات اللبنانية – السورية، يفرض على أصحابه في الجانبين اللبناني والسوري، ممارسة أشد أنواع النقد الذاتي صراحة، ووضع النقاط فوق حروفها الصحيحة، تأكيداً للرغبة المخلصة في طي صفحة الخلافات، وفي السعي الجدي لمعالجة أسباب التوترات، والتزاماً في العمل من أجل علاقات صحية وسليمة بين بلدين شقيقين، أثبتت مرحلة الخلافات الصعبة بينهما خطورة نفاذ أطراف أخرى بينهما للعب على حبال الأمن والاستقرار في كل من لبنان وسوريا·

* * *

انطلاقاً من هذا الحرص الحقيقي على تصحيح العلاقات نقول إن فيلم الاعترافات المتلفز لم يكن مُوفقاً لا شكلاً ولا مضموناً، ولا حتى توقيتاً، ليس لأن بثّه تم عبر التلفزيون السوري الرسمي وحسب، بل وأيضاً لأنه استهدف تيار المستقبل ورئيسه النائب سعد الحريري الذي يترأس أكبر كتلة نيابية في مجلس النواب من جهة، والذي يُعتبر الشريك الرئيسي في مسيرة حكم الرئيس ميشال سليمان، وممثله يترأس حكومة الوحدة الوطنية، ويشكّل مع حلفائه الأكثرية النيابية·

إذاً الاتهامات الملتبسة الموجّهة إلى تيار المستقبل بتمويل <فتح الإسلام> رغم سذاجتها المفرطة، ليست موجّهة ضد طرف سياسي معيّن، بقدر ما هي تعني شريكاً أساسياً في الحكم والسلطة التي انبثقت عن اتفاق الدوحة، الذي قال عنه أمس الرئيس بشار الأسد أنه أعاد الأمن والاستقرار إلى ربوع لبنان·

فماذا يعني أن يكون شريك أساسي في الدولة اللبنانية في موقع التآمر على أمن سوريا، بل وأكثر من ذلك، أن يكون مصدر تمويل لحركة إرهابية خاض معها تيار المستقبل وحلفاؤه في 14 آذار أشرس المعارك في نهر البارد، في وقت كانت فيه حكومة الوحدة الوطنية في غياهب الأزمة السياسية المستعصية على امتداد السنتين الماضيتين؟·

* * *

لن نسترسل في التشريح والتفنيد، فالمسألة الأهم تبقى في الإسراع بمعالجة التداعيات السلبية لحملة الاتهامات السورية غير المبررة·

ولعل أبرز هذه التداعيات:

إحراج مساعي الرئيس ميشال سليمان الساعية فعلاً إلى تصحيح العلاقات مع دمشق، ووضع التعاون بين البلدين على أسس واضحة وراسخة من الاحترام المتبادل، وبما يخدم مصالح الشعبين الشقيقين·

خلق أجواء مفاجئة من التوتر والسجالات الحادة قبيل زيارة وزير الداخلية اللبناني اليوم وزميله وزير الدفاع في الأيام المقبلة، رغم أهمية الزيارتين على الصعيدين الأمني والسياسي، خاصة وأن مباحثات القمة بين الرئيسين سليمان والأسد مهّدت لهاتين الزيارتين لوزيرين محسوبين أصلاً في التشكيلة الحكومية على حصة رئيس الجمهورية·

تفاقم الأزمة القائمة أصلاً منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بين دمشق وتيار المستقبل، رغم كل ما تمثل زعامة الحريري وطنياً وسنياً، ورغم المكانة الكبيرة التي تحتلها هذه الزعامة في المعادلة السياسية الداخلية· وأصبح معروفاً أن إصرار دمشق على تجاهل موقع رئاسة الحكومة الذي يقوم بمسؤوليته الرئيس فؤاد السنيورة مرشحاً من <المستقبل>، هو في صلب الأزمة المستحكمة بين دمشق وتيار المستقبل·

ثمة من يربط بين توقيت استئناف الحملة السورية على تيار المستقبل عبر <فيلم الاعترافات> والحديث عن الاستعدادات الجارية لإطلاق المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري·

وهناك من يعتبر أن الحملة السورية هي بمثابة <هجوم استباقي> على تيار المستقبل لمحاصرة شعبيته قبيل الانتخابات النيابية المقبلة، وبالتالي فهذه الحملة قد تكون <رسالة غير مباشرة> تحمل عناوين المرحلة التي تفصلنا عن موعد الانتخابات·

* * *

ثمة من تحلو له مثل هذه الحملات ليخوض في معاركها، ويعيش على خلافاتها، ويحقق المكاسب الأنانية والآنية على تناقضاتها!·

ولكن الراغبين بعلاقات أخوية صحيحة وصحيّة بين بيروت ودمشق يهمهم العمل على الاستفادة من أخطاء الماضي، القريب منه والبعيد، واستخلاص الدروس والعِبر من التجارب الخلافية المريرة التي دفعت الشعوب العربية أثمانها الباهظة من أمنها واستقرارها وازدهارها، وكان العدو الإسرائيلي هو المستفيد الأول والأخير من الخلافات العربية – العربية·

لقد قام الرئيس ميشال سليمان بخطوات شجاعة لتصحيح العلاقات مع دمشق، وتنقيتها من شوائب المرحلة الماضية، ولكن الرغبة اللبنانية وحدها لا تكفي إذا لم تُقابل بإرادة سورية حاسمة في فتح صفحة جديدة مع لبنان·

ويحاول الرئيس فؤاد السنيورة، منذ تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، أن يتجاوز إشكالات وآلام المرحلة الماضية مع دمشق، والتطلع إلى علاقات أخوية ومتكافئة مع الشقيقة الجارة، ومع ذلك لم تنفع محاولاته في تغيير المناخ السوري تجاهه، وهو الذي كان أول مسؤول عربي استنكر الغارة الأميركية على البوكمال، وفي طليعة من أدانوا الهجوم الإسرائيلي على الأراضي السورية بحجة تدمير منشأة نووية قيد الإنشاء، فضلاً عن تصريحاته شبه اليومية المشجعة لتصحيح العلاقات مع سوريا، وإحجامه عن كل ما قد يسبب توتراً أو يثير غباراً مع دمشق·

وتيار المستقبل لا يعارض مع حلفائه في قوى 14 آذار، إقامة علاقات تعاون ندية مع سوريا على أسس واضحة من احترام سيادة واستقلال كل بلد للآخر، والالتزام بعدم التدخل بشؤون الآخر، وتعزيز التنسيق الأمني بما يحقق القاعدة الذهبية التي سادت العلاقات في الستينات: أمن لبنان من أمن سوريا، والعكس صحيح، ومن دون أن يكون ذلك على حساب المحكمة الدولية·

* * *

أما العاملون على توتير الأجواء بين البلدين الشقيقين ليتعيشوا سياسياً على الخلافات والتناقضات، فيبدو أنهم نسوا أن أسلوب الشرائط المتلفزة عفا عنه الزمن منذ سقوط دولة المهداوي في العراق، وزمان عهد الانفصال في سوريا، وإفلاس مدرسة أحمد سعيد في مصر· وأن مثل هذه الممارسات تنطوي على سلاح ذي حدّين: وها هو التلفزيون العراقي يذيع <اعترافات> لسوريين متورطين في أعمال العنف والذبح في العراق·

وماذا لو أذاع <تلفزيون لبنان> في الأيام المقبلة اعترافات المعتقلين من <فتح الإسلام> منذ انتهاء معركة نهر البارد؟·

وماذا لو صدر تكذيبٌ لبعض الأقوال من إحدى عائلات المعتقلين؟·

وبعيداً عن مثل هذه الأساليب التي تضر ولا تنفع، تُفرّق ولا تجمع، لا بد من تغليب العقل والحكمة، ومعهما صبر الرئيس ميشال سليمان، لوضع العلاقات اللبنانية – السورية في إطارها الصحي والأخوي الصحيح، ونبذ كل العناصر التي تحاول توظيف الخلافات الأخوية لخدمة مصالحها الشخصية و··· الانتخابية الزائفة!·

ولا بد أن يكون قَـدَر الشعبين اللبناني والسوري في الأخوّة والتاريخ والجغرافيا، وفي المصير الواحد أقوى من محاولات المتصيّدين في مياه الخلافات العابرة··· وهو يقف اليوم على محك تغليب العقل والحكمة على ردود الفعل الغاضبة والانفعالات!·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل