
لماذا أصبح معيبا" أن تكون عـونيا"؟
(الحلقة الثانية عشرة)
هل كان يعلم ميشال عون بحصول الإجتياح السوري؟ ماذا فعل؟
كانت المظاهرات بإتجاه القصر الجمهوري ( بيت الشعب ) عمل دوري وروتيني ، وكانت تتناوب كلّ أطياف الشرقية لكي تحج الى بعبدا ، ولكن الأكثر غرابة هو أن الرجل لعب دورا" سلبيا" في تأليب ناسه على بكركي وسيّدها ، لا بل عمل على شحن بعض رجال الدين ضدّ رأس كنيستهم ، وكم من راهب أو راهبة ركعوا أمام عون متضرعين له وكأنه من مصاف القديسين ، وقد شهدنا مرات ومرات ، كيف أنّ بعض المرتلين بدّلوا معاني الكلمات ليضعوا إسم عون مكان إسم القديس …
ولكن كلّ هؤلاء الذين أحبوا عون لدرجة العشق وبعضهم لدرجة العبادة ، كم كان جدير به لوْ حافظ عليهم وحفظ لهم ما قدّموه له ، وهذا ما لم يقم به عون صباح ذاك اليوم الخريفي ، عندما ترك القصر الجمهوري ولجأ الى السفارة الفرنسية ، تاركا" وراءه شعب وعسكر يقاوم ويقاتل ، وذنبه ، كلّ ذنبه ، أنه آمن بقضية إعتقد أن سيّدها أمين على أمنهم وسلامتهم ، ولكن يا للعار ، الرجل في سفارة فرنسا ، وضباطه وجنوده يُذبحون ويُقتلون ، ورهبانه يُقتادون الى السجون السورية ، بينما هو ، ترك كلّ شيء وراءه ، ورحل مع عائلته ، وكم كان حري بالقبطان أن يُدفَن في مركز قيادته ، فهذا ما وعد به شعب لبنان العظيم ، قبل 48 ساعة على الإستسلام..
العلم العسكري يقول بأنّ أيّ قائد مهما كانت رتبته أو موقعيته العسكرية ، وطالما أنه مؤتمَن على أرواح الناس والعسكر ، فهذا يعني ، لا بل يتطلب حماية ناسه ، وتأمين عسكره ، وهذا ما لم يفعله ميشال عون ، لا مع ناسه ولا مع عسكره ، وما يؤكّد أن الرجل كان على بيّنة من الاجتياح ، وما يؤكّد أيضا" أنه كان مُطلعا" على مجريات التطورات ، وبأنه كان واثقا" من حصول الهجوم بأدّق تفاصيله ، ولكن ماذا فعل لإنقاذ ما تبقى ؟ ما كانت خطّته لمنع سقوط الشهداء والضحايا ؟ كلّ ما قام به أنه أمّـــن نفسه بالدرجة الأولى.. ومن ثمّ أمّن عائلته ، التي تمّ نقلها بأمانة الى مقرّ السفارة الفرنسية في الحازمية حيث لجأ هو ، وحيث كان أنْ أعدّ العدّة عبر إجراء تمرينات ومناورات عبر ملالة عسكرية قبل الاجتياح حتى الوصول الى يوم 13 تشرين..
لم يكن أحد يرغب في حصول الإجتياح ، سوى إثنين سوريا وجماعاتها في لبنان ، وإذا لم يكن عون على تنسيق معها لإحداث هذا اليوم المشؤوم ، وحتّى لا نحاكم على النوايا ، يبقى الجزم بموضوع محوري ـ أساسي ، ألآ وهو أن الرجل سبّب وتسبّب بأن يحصل الاجتياح أكان ذلك عن قصد أو عن غير قصد ، فالتهوّر لدى القادة لا يؤذي صاحبه بل يؤذي وطن وشعب ، وهذا ما ينطبق على ميشال عون الذي بات لزاما" إعادة فتح ملف 13 تشرين وتشريح تفاصيله ، ووضعه على مجهر محكمة التاريخ ، لأنه لا يُعقل أن يوّرط عون الناس ليدفعوا الثمن الأغلى ، بينما هو أمّن على شخصه وعلى عائلته … ومن بعدي الطوفان!!
إتصـــالات ومشاورات قبل الإجتــياح العسكري السوري..
مما لا شك فيه أن عون كان على إطّلاع ميداني وبشكل دقيق عبر تقارير محلية وأجنبية تصله تباعا" ودوريا" عن حالة خطوط التماس التي كانت تفصل مناطق نفوذه عن المناطق الأخرى ، وهو كان على علم بالنوايا السورية ، وتاليا" كان على دراية من التحضيرات لإخراجه من معقل الشرعية اللبنانية والمقصود بها القصر الجمهوري في بعبدا.
وفي كلّ الأحوال ، كان واجب على عاتق عون لا بل كان محتما" عليه أن يستدرك التطورات ، وأن يؤمّن على ناسه وعناصر الجيش الذين سيسقطون صباح ذاك اليوم المشؤوم في 13 تشرين الأول من العام 1990.
إذا" هو يعلم أن الهدف الأساسي للشرعية الجديدة التي أوجدها الطائف كان نقل السلطة من مقرّها المؤقت في غربي بيروت الى صرح الشرعية في بعبدا ، كما أنه كان يعلم أن القرار إتُخذ على مستوى دولي وليس فقط على مستوى إقليمي ، بمعنى أنّ سوريا كانت أداة التنفيذ ولكن بتغطية دولية وطبعا" بموافقة داخلية.
ولكن يبقى السؤال الذي حيّر كثيرين : هل كان الإتفاق إنهاء مفعول حكومة عون وإستمرار العسكر السوري محتلا" للمناطق التي سيدخلها ؟ أم أنّ التسوية قضت بأنه بمجرد الإنتهاء من العملية، تنسحب جحافل الجيش السوري من المواقع التي ستحتلها ؟ المهم لا بل الأهمّ أنّ الاجتياح السوري الذي حصل ، إنما كان من أبشع الجرائم التي إرتُكبت بحق لبنان واللبنانيين.
المهم أن الجنرال وُضع أمام خيارين إثنين : إمّا التخلّي عن دولته ضمن سقف يضمن له مستقبله السياسي ، وإمّا يحصل الاجتياح السوري لإزاحة عون وإنهاء حالته المتشددة .
ولأنّ الخيار الثاني يعني لزاما" المقاومة المسلحة ، وبالتالي تحصين الوضع الداخلي في المناطق المحررة ، وإعداد جيّد ومدروس غير متهور للشعب بغية دفعه للمشاركة الفعلية في معركة تقرير المصير..
الخيار الثاني يعني الصمود والقتال والدفاع عن الأرض … الأمر الذي لم يحصل ، كما لم يحصل الخيار الأول ، وهذا يعني أن عون لم يستسلم ولم يقاوم ، إذا" ما الذي فعله ؟؟
هذا الرجل بات سهلا" وصفه بالمتهوّر ، ولكن تهوّره هذا كان دائما" على حساب الآخرين ، بمعنى لو أنّ خياراته الهوجاء يدفع هو ثمنها لكنّا قلنا أنه يتخذ قرار ويتحمّل هو تبعة نتائجه ، ولكن للأسف كما دائما" ، وكذلك هو اليوم يدفع بالناس وبمؤيديه لكي يكونوا حطب ثورة .
وطالما أنّ عون أوفد الدكتور بيار دكّاش مزوّدا" برسالة تحمل عدد من البنود أبرزها لا بل البند الأول فيها كان إعتراف عون برئاسة الياس الهراوي كما وإعترافه بالشرعية التي أنتجها الطائف.
نحن ما يهمنّا من الموضوع إظهار حقيقة أنّ عون كان على علم بحصول الإجتياح ، ولو أنه قاوم الهجوم السوري ، ولو أنه بقي في مقرّه (القصر الجمهوري) كما وعدَ اللبنانيين عشية حصول الإجتياح من أنه لن يترك ، وبأنه قرّر أن يُدفَن في مركز قيادته لكنّا قلنا أنّ الرجل قاوم ولم ينجح ، أمّا أن يدفع باللبنانيين الى المواجهة ، ويضع العسكر على الجبهات يواجهون مصيرهم وحدهم ، حتّى أنهم لم يعلموا ببيان إستسلامه لا من غرقة العمليات العسكرية ، ولا من الراديو طبعا" كونهم على الجبهة ومن غير المنطق أن يستمعوا الى الراديو .
إذا" كلّ المشاورات والإتصالات التي سبقت الإجتياح والتي تمحورت بين بيروت ـ دمشق ـ واشنطن كان عون على إطلاع كلّي على تفاصيل مجرياتها ، كما كان على ثقة أنّ إزاحته من القصر باتت محتّمة ، وعلى الرغم من ذلك لم يعمل الرجل على حماية ناسه ومؤيديه ، وبالتالي لم يؤمّن على الأقل على العسكر …
فارس بويز موفد الهراوي الى سوريا لبحث الإجتياح.. بويز اليوم حليف عون!!
فور إنتخاب الياس الهراوي رئيسا" كلّف الأخير صهره المحامي فارس بويز لكي ينسّق مع السوريين تفاصيل الهجوم والإجتياح العسكري السوري على المناطق الشرقية ، وتحديدا" مناطق نفوذ عون ، وبالفعل التقى بويز بالمسؤولين السوريين طبعا" لم يكن وحيدا" بل برفقة بعض الوزراء مثل محسن دلول .
وهنا لا بدّ من التوقف مليا" عند المفارقة في موضوع 13 تشرين ، كيف أن بويز موفد الهراوي الى الشام ليأتي بالسوريين الى لبنان ، سيعود ليصبح حليفا" لعون ومرّشحا" على إحدى لوائحه الإنتخابية ، بالفعل إنها سخرية القدر، وتركيزنا هنا ليس على تفاصيل الإجتياح ، ولا على نقاط البحث التي نوقشت خلال التحضير للإجتياح ، إنما ضرورة تذكير اللبنانيين ، والتأشير الى الدور الذي لعبه عون للوصول الى إدخال الجيش السوري الى لبنان ، وتحديدا" الى مناطق ومواقع عصيت على السوريين سنوات وسنوات ، ليأتي ميشال عون ويسهّل الإحتلال ، ولو بطريقة غير مباشرة ، المهم أنه كان السبب في ما حصل صباح ذاك اليوم الشؤوم.
وبنتيجة الإجتماعات التحضيرية للإجتياح تمّ تحديد تاريخ الهجوم وساعة الصفر ، وللإشراف المباشر على العملية أرسلت القيادة السورية عدد من ضباطها الى لبنان منهم على سبيل المثال لا الحصر اللواء علي أصلان والعميد غازي كنعان ، وسبق القرار بالهجوم السوري سلسلة من الاتصالات المحلية منها والخارجية ، ولا سيما مع الإدارة الأميركية التي لم تكن متحمسّة بداية لعمل عسكري بمستوى الإجتياح ، وما صدر من مواقف في تلك الفترة أشّر الى ميل أميركي لإستعمال وسائل غير الهجوم العسكري ، ولكن كان واضحا" في المقابل أنّ سوريا التي تعرقل الحلول الشرعية اللبنانية ضمن الأطر المؤسساتية ، بمعنى أنها دفعت الأمور الى حدّ الحائط المسدود ، لدرجة أن الولايات المتحدة أبلغت لأكثر من مرجع لبناني عدم ممانعتها إزالة عون ولكن بالإمكانات اللبنانية ، أي بالإمكانات الذاتية للدولة اللبنانية ، ومن دون الإستعانة بجهات خارجية ، وهنا دخل الحكم اللبناني الجديد الذي أفرزه الطائف والذي هو في واقعيته حكما" مواليا" بالمطلق للنظام السوري الحاكم ليشرح للأميركان عدم جدوى الوسائل الذاتية والتي كان المقصود بها تدابير مسلكية واقتصادية كتوسيع رقعة الحصار مثلا" والضغط على حركة المواطنين ، ومنع إدخال المواد والمؤن… ولكن هنا أيضا" نتوقف عند مفارقة فاضحة ، وهي كيف أنّ الحصار على أشدّه على مناطق نفوذ عون ، وفي المقابل سوريا وجماعاتها يمررون لنا البضائع وربطات الخبز والبنزين… على المعابر التي كانت تفصل بين مناطق نفوذ عون والمناطق الأخرى حيث تواجد قوى الأمر الواقع الموالية لسوريا ؟
أبدت الإدارة الأميركية خوفها وقلقها من إنفلات الأمور في حال تمت الإستعانة بالقوة الخارجية ، وتحديدا" بالقوة السورية ، كما أبلغت القيمين عن عدم ضمانها للعمق الذي قد يبلغه الاجتياح العسكري ، وزمنية بقاء الجيش السوري في المناطق ، ومن يضمن إخراج هذا الجيش؟؟
سوريا في المقابل كانت تضغط من جهة على جماعاتها في لبنان لكي يكون تدّخلها العسكري بشكل مباشر ، كما وبغطاء شرعي بالدرجة الأولى ، ومسيحي بالدرجة الثانية ، وواشنطن كانت تخاف أكثر ما تخاف على الجيش اللبناني ، وتعتبر أنّ ضربه وإنْ كان حوّله عون الى مجموعات خاصة به ، يؤدي الى إضعافه وبالتالي يعني إضعاف للدولة اللبنانية التي ستعيد بناء مداميكها ، سوريا بالمقابل إشترطت إمّا تدخلها ودخولها المباشر وإلاّ فإنها لن تقدّم أية مساعدة في هذا المجال ، وقد ورد لأكثر من مسؤول سوري تصاريح مفادها أن ميشال عون لايزعج سوريا ، وهي ليست مضطرة أو مستعجلة إزاحته من أمام الشرعية التي إنبثقت عن الطائف ، فإمّا إجتياح عسكري مباشر بكل ما للكلمة من معنى ، وإلاّ لن تشارك .. وهكذا توّضحت معالم المؤامرة ، سوريا تضغط على اللبنانيين وتحديدا" منهم المستعجلين للسكن في القصر الجمهوري ، في المقابل تلعب مع الأميركيين لعبة الحمار والجزرة ، ولكن الخاسر الأكبر هو لبنان ، وهنا نعود بالذاكرة لنتأكّد من أن سوريا وجدت في رئاسة رينيه معوّض عائقا" أمام حلمها البعثي التاريخي ، والرئيس معوّض أعلن منذ اليوم الأول لإنتخابه عن رفضه الكلّي والمطلق لأي عمل عسكري لإخراج ميشال عون من قصر بعبدا ، وهو كرّر موقفه هذا أكثر من مرّة ، ولكن النوايا السورية كانت حساباتها في مكان آخر ، كان المطلوب الوصول الى العمل العسكري، أي الإجتياح العسكري ، وهذا ما سوف يؤمّنه عون على أهون سبيل . وصحيح أن الحكم اللبناني طلب السوريين لكي يقتحموا المناطق المسيحية ، وصحيح أن الأميركان على الرغم من معارضتهم غطّوا الإجتياح .. ولكن يبقى أن عون شخصيا" ساهم وسهّل وساعد وسبّب بأن يحصل 13 تشرين ، وقد كان بإمكانه تفادي الإجتياح لو أنه أكمل ما بدأه مع الرئيس معوّض الذي كان يعوّل على قبول عون بتسليم القصر ، وهذه القناعة لدى الرئيس الشهيد كانت بنتيجة المفاوضات والمباحثات التي دارت بين الطرفين عبر موفدين كانوا يلتقون لحلحلة المسألة ودائما" بالطرق والوسائل السلمية الهادئة.
ولكن للأسف تمّ إغتيال الرئيس معوّض، وبذلك تمّ إستدراج عروض جديدة للإتيان برئيس يكون خاضع بشكل مباشر للسوريين ، ولا يقارع ، أو يناقش بمسألة الهجوم العسكري ، ولن يقبل السوريون بتجربة أخرى مع رئيس من طينة وعجينة رينيه معوّض ، ومَن كان أفضل من الياس الهراوي لهذه المهمة؟
كيف حصل الغطاء الأميركي للإجتياح؟
بقيت الإدارة الأميركية تعارض الدخول السوري المباشر ، وهي حاولت مرارا" وتكرارا" إفهام اللبنانيين أن لا مانع لديها من إزاحة عون عبر الإستعانة بقصف مدفعي سوري ، ولكن من خارج المناطق الشرقية ، أي تتوّلى مدفعية الجيش السوري قصف مناطق عون من أماكن تواجدها ، ولمّا كانت الأمور تطول يوما" بعد يوم ، والوقت لم يعد في صالح الحكم المنبثق عن الطائف ، وأميركا ترغب في تثبيت هذا الحكم وتركيز دعائمه ، لينطلق مع بدايات شهر تشرين الأول الضوء الأخضر الأميركي للشروع بالعملية على الشكل التالي :
" تقوم القوات السورية بإزالة حالة التمرّد عبر فتحا للطريق تسهيلا" لوحدات الجيش اللبناني الذي يتوّلى وحده إنجاز المهمة ، كما يقدّم السوريون للجيش اللبناني دعما" مدفعيا" ولوجستيا"…"
كان العماد ميشال عون على علم بكل ما يجري ، وهو علم بموعد الهجوم قبل أربعة أيام من حصوله ، لا بل وبحسب المعلومات المتوافرة والتي تناقلتها بعض وسائل الإعلام من أنه قبل شهر من حصول الإجتياح كان يجري تدريبات ومناورات لإخلائه من القصر باتجاه السفارة الفرنسية ، وهذا إن دلّ شيء فهو يدلّ على أنّ الرجل كان عالما" ومطلعا" على كلّ مجريات التطورات ، وعلى الرغم من ذلك لم يبادر الى إنقاذ ما تبقّى ، ولا الى إستدراك المجازر التي حصلت في ذلك اليوم الشؤوم ، حيث سقط العسكر والضباط والمدنيين بينما هو في السفارة الفرنسية ، ليعود السوريون ويوصلون عائلته الى مكان تواجده الآمن عبر سيارة قادها حليفه الياس حبيقة.
الساعات التي سبقت الإجتياح السوري ..
ملاحظة : إقرأوا جيدا" هذه السطور
تقارير عسكرية ـ مخابراتية مؤكدة تمّ إبلاغها الى العماد عون بواسطة غرفة العمليات العسكرية في وزارة الدفاع الوطني قبل ثماني وأربعين ساعة من الإجتياح أكدّت تفاصيل الخطة التي أعدّها الجيش المعادي ، وأبلغت كلّ من غرفة العمليات والأمن العسكري ومديرية المخابرات في الجيش اللبناني العماد قائد الجيش ورئيس الحكومة الانتقالية ميشال عون أنّ هذه المعلومات دقيقة ومؤكدة وصحيحة ، وحاولت تلك الجهات الأمنية والعسكرية إقناع عون بأنّ الهجوم صار حتميا" ، إلاّ أنّ الرجل إستهزأ بتلك المعلومات وإعتبرها بهدف التضليل والتخويف ليس إلاّ.
تمام الساعة السابعة إلاّ خمس دقائق من صباح يوم السبت الواقع فيه الثالث عشر من شهر تشرين الأول من العام 1990 صحّت المعلومات العسكرية ، عندما بدأ الطيران السوري بالإغارة على كلّ من القصر الجمهوري ووزارة الدفاع الوطني ، من دون أن يصيب المقرين بشكل مباشر ، وكأنه كان مطلوبا" عدم التصويب على الصرحين المذكورين ، أو دعنا نقول لم يكن القصد إلحاق الأذى بميشال عون ، ولكن أن يُذبَح الناس ويُقتل العسكر والضباط ، وأن تُرتكَب مجزرة في بلدة بسوس … هذا كلّه لا بأس ، أمّا القائد الهمّام الذي وعدنا قبل ساعات بأنه لن يغادر ، فهو القبطان ، وهو قرر أن يُدفَن في مركز قيادته… كم شعبنا مسكين ، أنه صدّق قائدا" أوهمه أنه قائد ولكن للأسف القائد الحقيقي يضحي بنفسه وليس القائد مَنْ يضحي بناسه !!
فور سماعه لهدير الطيران السوري ، إتصلّ عون بغرفة العمليات في قيادة الجيش ، ويروي أحد الضباط الذين تواجدوا في العمليات عن فحوى مكالمة عون الهاتفية مع رئيسه المباشر نائب رئيس الأركان للعمليات ، حيث سأله عون عما يجري ، وقد أبلغه رئيس العمليات بضرورة التــدرؤ ( تعبير عسكري ) أي أقصى درجات الإنتباه ، كما حذّره من مغبة إقدام العدو على القيام بإنزالات عسكرية عبر الهيليكوبتر ، في تلك الأثناء بدأت أعمال التسلل عبر أحراج مناطق المتن الشمالي ، حيث اللواء الخامس بقيادة العميد شامل موزايا ، وقد طلب هذا الأخير دعما" من قيادة الجيش التي لم تتمكنّ من الإتصال بقائد اللواء الثامن العميد سليم كلاّس ، وبالفعل لم تتمكن غرفة العمليات في تلك اللحظات الحرجة من تاريخ لبنان ، ودور الجيش اللبناني عشية تقارير أمنية وعسكرية ودبلوماسية تؤكد حصول هجوم ما ، لم تتمكن هذه الغرفة من الإتصال بقائد لواء عملاني ، لواء إشتهر بأنه من أفضل الألوية القتالية ، أين كان قائد اللواء ؟ ولماذا غاب عن السمع ؟ وهل كان مطلوب منه ألاّ يتحرّك ؟
ولم يظهر قائد اللواء الثامن إلاّ بعد أن أذاع عون بيان إستسلامه من مقر السفارة الفرنسية ، حيث أبلغ أحد ضباط اللواء عملياته بأن العميد قائد اللواء قال لنا بأننا أصبحنا تحت أمرة العماد إميل لحود.
إذا" لم يتحرّك لا اللواء الخامس بقيادة موزايا ، ولا اللواء الثامن بقيادة كلاّس ، والعميدين سيرّشحهما ميشال عون على لوائحه الإنتخابية عام 2005، فهل هذا الترشيح كان مكافأة ؟ أمْ ماذا ؟
عون إستسلم عبر راديو إذاعة لبنان ، ولكن كيف يعلم الجنود والضباط على الجبهات الذين لم يستمعوا الى الراديو ؟ وفي وقت صدرت "وثيقة إتصال" عن غرفة العمليات تطلب من كلّ الوحدات وقف إطلاق النار ، كانت منطقة ضهر الوحش تتعرض لمجزرة فتك وقتل نخبة الضباط والجنود الذين إستمروا بالقتال حتى ساعات ما بعد الظهر ، وكان واضحا" أن هدف الإجتياح السوري ليس إزاحة عون إنما الوصول الى مقري وزارة الدفاع الوطني والقصر الجمهوري ، فقيادة جيش الإحتلال كانت واضحة في تعليماتها وتعميمها للجحافل المتقدمة "… الهدف محدد ، مهما كانت الظروف ، المهمة يجب أن تنفّذ ، الوصول الى القصر الجمهوري ووزارة الدفاع …"
والمخزي والعار في آن معا" ، أنّ إميل لحود لم يظهر بطلته البهية إلاّ بعد ست وتسعون ساعة من إحتلال العسكر السوري لمقرّ عام قيادة الجيش اللبناني ، إميل لحود الذي كان من أبسط مستلزمات ولائه العسكري أن يحمي وزارة الدفاع الوطني من النهب والتفظيع بتاريخ لبنان كلّه الذي كان في الوزارة ، أربعة أيام ظلّ فيها لحود غائبا" أو مغيّبا" ، لا فرق ، والجيش عناصر وضباط يُقتلون ، يذبحون ، يعرّون ، يُقتادون الى سجون سوريا، ضباطنا يهانون من أكثر فئة متخلفة ورجعية في محيطنا المشرقي ، ولحود ، يا للخزي والعار ، يسبح في أحلامه التي أوصلته الى كرسي رئاسة الجمهورية ، ولكن بأيّ ثمن ؟ فعلا" إنه تاريخ لؤم وشؤم ، وإنْ لم نحاكم كلّ هؤلاء على ما إرتكبوه وفعلوه بأولادنا ، فإنّ الشهيد يُقتل مرتين..
واليوم ميشال نعيم عون وإميل جميل لحود ثنائي موّحد الرؤيا والنظرة ، ثنائي يتناغم مع النظام السوري ، ماذا نقول لأهالي الشهداء عن هذين النموذجين ؟ ماذا نقول للبنانيين عن ضابطين لعبا دورهما بإتقان ، ليعودا اليوم ثنائي يسوّق للسورنة في لبنان ، وتنسيقهما وصل بوقاحته الى حدّ إستغباء اللبنانيين عبر إيفاد لحود لإبنه الى باريس للتحضير لعودة الحبيب ميشال عون الذي ردّ له لحود الجميل عبر ترشيحه من بعده لرئاسة الجمهورية ، بالفعل إنها سخرية القدر ، لحود وخلال الضغط الشعبي عليه لكي يستقيل ، خاصة بعد الرسالة الشهيرة التي أرسلها له البطريرك مار نصرالله بطرس صفير مع المطران رولان أبو جودة يطلب منه التنحّي ، كان أن ردّ على كل ذلك بأنه لن يسلّم الرئاسة إلاّ الى ميشال عون ، فعلا" الزلمي شهم ويحفظ الجميل ، كيف لا ، وميشال عون سلّمه الشرعية صباح 13 تشرين الأول 1990 ؟
بعد كلّ هذه الوقائع والحقائق ، لم يعد من مجال لأيّ شك بأن ميشال عون شريك أساسي بإحداث 13 تشرين ، بالتعاون والتنسيق الكاملين مع النظام السوري ، وبأنّ تفاصيل ما جرى في دقائقه وحيثياته تؤكد لا بل تشير بأن الرجل ضليع بالمؤامرة ، من هنا الجزم بضرورة إعادة فتح ملف 13 تشرين ، ولنبدأ بتحالفاته الآنية وبالدعوات المتكررة له لزيارة قصر بشار الأسد ، وردّ عون : " زيارة سوريا غالية جدا" على قلبي".
في الحلقة 13 .. لذلك لا يثقون به!!
