10 تشرين الثاني: تاريخ للتاريخ
في العاشر من تشرين الثاني من كل عام، يتذكر اللبنانيون ولاسيما الشباب والطلاب منهم، وهذه مفارقة، عيد مولد من بقي لهم عربون فداء وعطاء وتضحية ورجولة وقيادة وطنية.
البطل لم يمت. القائد لم يغب.
ورغم مرور 26 عاما على استشهاد بشير الجميل، وهنا الغرابة، بقي اسمه يوميا على كل شفة ولسان، في الحدث السياسي كما في الحدث الوطني. ورغم ان الشيخ بشير الجميل الرئيس المنتخب لم يتسلم الحكم بعد انتخابه الذي استمر واحداً وعشرين يوما، لكنه طبع الواقع اللبناني والشعب منذ 1982 وحتى اليوم بذكريات وكلمات ومواقف لم يتمكن اللبنانيون حتى الآن من نسيانها، بل بالعكس، يعودون اليها عند كل ازمة وطنية تعصف بلبنان.
ويرددون: بشير قال كذا، وفي قضية المهجرين قال كذا، وفي موضوع السيادة ردد كذا، وفي العلاقات العربية شدد على كذا، وفي التوطين والاحتلال السوري قال ما لم يجرؤ الآخرون على قوله… وهكذا يردد اللبنانيون كلماته وخطبه ومواقفه وتصريحاته كأنها "انجيل" وطني توارثوه من جيل الى جيل، حتى ان بعض شعاراته التي اطلقها منذ ثلاثين عاما عادت الى الواجهة السياسية الحالية، وكأن الزمن توقف يومها.
امر غريب ومستغرب. لقد مر على لبنان خلال الستين عاما الماضية، رجالات وزعماء كبار ساهموا في انجاز الاستقلال، وتربعوا على عرش السياسة اللبنانية لعقود طويلة، حركوا الجماهير واسسوا الاحزاب وشاركوا في الحكم لسنوات، ولكن، ما ان غابوا حتى راحت تغيب شيئا فشيئا ذكرياتهم ومواقفهم.
اما بشير الجميل، فلم يكن من هؤلاء. بقي في البال والفكر والموقف الوطني، لانه كان رؤيويا، وكان من طينة غير التي جبل بها رجال السياسة لانه كان يرفض ان يصنّف من بين رجال السياسة.
نظرته الى الامور والاحداث كانت شمولية ووطنية، بعيدة كل البعد عن المواقف السياسية التي ترضي الجماهير وتستدر العطف والتأييد والتصفيق.
لم يقل مرة ما يرضي جمهوره لاكتساب التأييد، بل كان عندما يطلق موقفا بعد درس عميق، يعتمد على حسه الوطني وشعوره بالمسؤولية في التفتيش عن مستقبل وطن حر وشعب يستحق الحياة.
عندما توقع المسلمون وبعض المسيحيين عام 1981 في مهرجان "يوم الوعد" ان يعلن بشير قيام دولة مسيحية او دولة التقسيم، فوجئ اللبنانيون ولاسيما المسلمين بصوته يعلو في ارجاء مجمع فؤاد شهاب الرياضي امام حشود قل نظيرها، يمد يده الى اخوانه في الوطنية والمواطنية ويدعو الزعماء المسلمين للتخلص من القمع الفلسطيني والاحتلال السوري للمنطقة الغربية (آنذاك) من اجل بناء وطن سيد حر على الـ10452 كلم2، مؤكدا انه مستعد للمشاركة بعملية تحرير "المنطقة الغربية" اذا قرر المسلمون ذلك.
وما من احد استمع الى خطابه الشهير في مبنى تلفزيون لبنان بعيد انتخابه، الا فوجئ بنمط ورؤية الرئيس المنتخب الجديد الذي اصلح الادارة بموقف واحد وهو لم يتسلم مقاليد الحكم بعد: التزم الموظفون الحضور الى مكاتبهم، اقفلت جوارير التشبيح والسمسرة، دب النشاط في اروقة السرايات من الناقورة مرورا ببعلبك وصولا الى اقاصي الشمال. واصبح الشرطي على الطريق يتمرجل على اكبر شنب في الجمهورية اللبنانية. لقد سألوا عنه. فقيل لهم انه رجل مستقيم، نظيف الكف، لا يؤخذ بالتهويل، صديقه الصدق والشفافية والاقدام والمؤهلات والعدالة والحق والوطنية والعمل المسؤول، يريد ان يبني دولة المؤسسات لا ان يستمر بالمزرعة.
مد يده الى جميع اللبنانيين. بدأ باستعادة ثقة اشرس المعارضين لانتخابه، وزار النواب الذين لم يشاركوا في جلسة الانتخاب، شاكرا لهم موقفهم وجرأتهم في التعبير الديموقراطي الحر والجريء، وهذا ما قاله للنائب الدكتور البر مخيبر عندما زاره في منزله في بيت مري.
كذلك فعل، عندما استقبل الزعيم الرئيس صائب سلام في جلسة تاريخية خرج منها الرجلان متفاهمين بعد جلسة واحدة. وقد دارت في جلسة المصارحة هذه احاديث وشرح للمواقف قلما تحصل بين رئيس جمهورية منتخب في الثالثة والثلاثين وبين زعيم بيروتي ورئيس سابق للحكومة مقاطعا لجلسة الانتخاب ومعارض شرس لوصول بشير لسدة الرئاسة. ساعة واحدة من الصراحة والصدق والاحترام كانت كافية ليتفاهم الرجلان. بعدها قيل على لسان صائب بك: “لقد بكينا عندما انتخب بشير رئيسا، ولكن بكينا اكثر يوم استشهاده".
قبل انتخابه، كانت اكثرية الدول العربية معارضة لوصوله، خصوصا بعد اعلان الترشيح. لكنه فاجأ الجميع ايضا باقتحامه الباب العربي في مدينة الطائف السعودية قبل انتخابه باسابيع، حيث اجتمع مع عدد من وزراء الخارجية العرب لمدة ساعات، الذين استمعوا منه الى تصوره لحل الازمة اللبنانية وبرنامجه للحكم. خرج من الاجتماع بمباركة وتأييد عربيين، وتعهد الوزراء الحاضرون السعي لدى بعض الدول "المعترضة" على انتخابه بنقل وجهة نظره والصورة الصحيحة عن الوضع القائم الجديد.
آمن بشير الجميل بلبنان وطن التفاعل المشترك وليس وطن التعايش، لانه رفض التعايش مع الازمة السياسية والوطنية التي ادت يومها بلبنان الى حرب اهلية وتدخل اجنبي وعربي فيها.
كان مسيحيا مؤمنا، لا مسيحيا متعصبا او متزمتا. وما كلمته الاخيرة التي القاها ساعتين قبل استشهاده في دير الصليب في عيد ارتفاع الصليب، الا شهادة مسيحية ايمانية صرفة، تدعو الى التعالي عن الجراح ولكن تدعو ايضا الى الايمان بالله والى حرية المعتقد لكل مكونات الشعب اللبناني.
بشير الجميل بعد 26 عاما من استشهاده، تبقى شهادته للتاريخ، ويبقى 10 تشرين الثاني عيد مولده تاريخا يذكره التاريخ.