المسيحية المشرقية التباس تاريخي وتمايز حضاري
تشكل أفعال القتل والخطف والتهجير، التي ترتكب اليوم بحق المسيحيين في العراق، والردود المستنكرة التي صدرت عن كتّاب وسياسيين وقادة رأي، في العالمين العربي والإسلامي، والتي كانت قد حمّلت الإسلام كدين، والمسلمين كأفراد، مسؤولية ما يجري، مناسبة أولى حزينة توجب الاضاءة والتأشير على الأسباب الحقيقية التي أنتجت وما تزال، هذا الكمّ الهائل من الارتكابات البريرية، التي لم تستثنِ من عنفها ولا انسانيتها، مطلق فئة أو مذهب أو دين.
وتشكل هذه الأفعال أيضاً، مناسبة ثانية تحتم التوقف والتفكر بتؤدة وهدوء، عند إشكاليات الانتماء، الديني والقومي، التي تؤثر في السلب وفي الإيجاب، في معاني الخصوصيات والتعددية والتسامح والاعتدال، المتصلة بحرية المعتقد، التي يؤمن ثباتها وسيادتها، الايمان بضرورة التمسك بنتاجات العقل النقدي والفكر التداولي، التي تنجي من مهالك ومهاوي، التشدد والإلغاء والاقصاء، الدالة على علامات الاضطهاد، التي تسم وجه المجتمعات العربية، التي خضعت لتجارب أنظمة القمع والتسلط والإرهاب الشمولية، أدينية كانت أو «علمانية» أو عروبية.
لا تنفصل أسباب الاضطهاد الحالي، الذي يتعرض إليه المسيحيون اليوم في العراق، عن السياق التاريخي العام، الذي شكلت سيرورته التاريخانية، الحاضنة الموضوعية لبذور هذا الاضطهاد، في هذا المجال يتيح اللجوء الى أواليات العقل النقدي والفكر التداولي، إمكانية ملاحظة وإعادة اكتشاف أسباب الاضطهاد الاصلية، وهي نوع أول ذاتي، يعود الى الإسلام العربي، ونوع ثانٍ موضوعي خارجي، يعود الى الإسلامي الاعجمي (الأجنبي)، ونوع ثالث من مزيج ناتج عن تصارع وتنافر وتناحر، النوعين الأولين، ففي الأسباب الذاتية تبرز مسألة الفتح العربي، لمناطق الانتشار المسيحي في العراق والشام ومصر، حينما سيطر المسلمون على غير المسلمين، وقد تبع ذلك خضوع المسيحيين في تلك المناطق لسلطة الإسلام، التي أجبرت ـ وبضغط من الظروف والروافد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ـ القسم الأكبر من السكان الاصليين، على اعتناق الإسلام، حيث فاض عن هذا الوضع المستجد، مفهوم «حديث» انبثق منه ونتج عنه ما اتفق على تسميته لاحقاً بمسألة «الأقليات المسيحية» في الشرق، هذا في الأسباب الذاتية، أما لجهة الاسباب الموضوعية، فإن واقع اعتناق غير العرب من فرس وأتراك وهنود، للدين الإسلامي، قد أدى الى استعار واشتداد حدة المزايدة والمغالاة، في إظهار شدة الولاء للإسلام، لدى المسلمين الجدد، كإثبات لصدق الايمان الذي يؤكد الجدارة، والحق في التمتع بالامتيازات التي يتيحها الإسلام للمسلمين، والتي يحرم منها غير المسلم.
الخلاف والاختلاف
لا يعود السبب الفعلي للاضطهاد التاريخي، الذي يوقع اليوم بحق المسيحيين في المشرق العربي، الى الخلاف والاختلاف الفقهي أو اللاهوتي، ولا يدور التنافر والتباعد حول عقيدة التوحيد الإسلامية، او حول معتقد الثالوث المقدس المسيحي، المرتكز الى مفهوم الفداء والخلاص والتسامح، حيث أن عوامل التوفيق والتجانس ما بين أبناء الديانتين الإسلامية والمسيحية، المتمثلة بوحدة العرق والاصل التوحيدي، الذي يعود الى التراث الابراهيمي المشترك، فضلاً عن الغرف المشترك من معين الفضاء المشرقي التعددي، الحامل لمفاعيل القصص والبدع والأساطير والشيع الدينية المتماهية، هي العوامل التي توجب الالتقاء والانسجام والتآلف، فواقع النشأة المشتركة في الجاهلية، وتشابه عقيدة الاحناف وتطابقها مع «المسيحية الاولى»، ومعرفة واحترام قريش. لمبادىء وأسس هذه المسيحية، اضافة الى واقع عدم مغالاة العرب، في إظهار العلامات الدالة على التدين، في الجاهلية وفي السنوات الأولى لصدر الإسلام، يحتم على أتباع الديانتين عدم الولوج الى متاهة الاحتراب، والصراع العبثي الذي لن يجني منه الفريقان، سوى الندم والخيبة.
الردة عن الإسلام وإسلام الردة
يكمن السبب الفعلي للاضطهاد الذي يتعرض إليه المسيحيون اليوم، في العراق والبلاد العربية المشرقية، في استتباب الأمر لأصحاب نهج الردة عن الإسلام، والى سيادة مرحلة إسلام الردة وإلى ظهور الفرق والشيع الدينية والمذهبية، التي تسعى الى محو الذاكرة والى تشويه السائد، عبر تأويل آيات القرآن وسوره بواسطة التحوير والتزييف وإبدال الإبداع القرآني بالابتداع، الموصل الى عدم الاعتراف والتكفير، الذي يحل القتل والترويع والاعتداء والاقتلاع، لمجرد الافتراق في العقيدة والاختلاف في المعتقد.
شواهد من التاريخ
لا تنفصل الممارسات الحالية التي ترمي الى تحوير العقيدة الإسلامية، عن محاولات وأفعال سبقتها، وفي التاريخ العربي ـ الإسلامي، العديد من الشواهد التي تؤكد ما تسعى الى إيضاحه، ففي السنة الثامنة للهجرة في العشرين من رمضان، قرر النبي محمد فتح مكة سلماً، خلافاً لرأي مجموعة كبيرة من الصحابة الأنصار، فأرسل المنادين الى مكة ليطلبوا من أهلها الاستسلام وعدم المقاومة والقتال، وكان متن النداء، يتضمن فحوى الخطة التي كان قد اعتمدها النبي، لكي يفتح مكة سلماً دون قتال، فطفق المنادون مرددين النداء الشهير القائل، بأن من دخل بيت أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق باب داره على نفسه فهو آمن ومن دخل الكعبة فهو آمن، ويستدل من تشريح عبارات هذا النداء، بأن النبي كان يسعى الى عدم النيل من مكانة قريش وزعامتها، بواسطة بقية القبائل العربية المسلمة، فكان أن أفرد مكانة خاصة لأبي سفيان بن حرب، ويدل تشريح عبارات النداء أيضاً، الى أن النبي محمد لم يكن يسعى الى إجبار غير المسلمين على اعتناق الإسلام عنوة، فكان أن قرر تضمين ندائه عبارة، من أغلق باب داره على نفسه فهو آمن، وهذا إن دل على شيء، فهو يدل على تسامح لافت «للإسلام الأول» الصحيح.
في السنة نفسها (السنة الثامنة للهجرة) وفي اليوم نفسه، وفي واقعة مناقضة لقرار السلم في مكة الذي كان قد قرره النبي حصل ما يمكن أن يساعد على فهم وإدراك صورة الإسلام الحقيقية، في ذلك اليوم وحينما كانت الجيوش الإسلامية تحث الخطى باتجاه مكة، قرر النبي زيارة قبر والدته السيدة آمنة بنت وهب، في وادي الأبواء جنوب يثرب في الطريق الى مكة، بغية قراءة الفاتحة على روح أمه قبل متابعة المسير الى مكة، فنزل النبي عن جواده وباشر بقراءة سورة الفاتحة، فإذا بصحابي من الأنصار يطلب من النبي التوقف عن التلاوة، بحجة عدم جواز قراءة الفاتحة على روح من توفي على الشرك والكفر، وكان بعد ذلك، التحريم الذي أمره به الإسلام والقاضي بعدم جواز الترحم على الأموات من غير المسلمين، وإن تكشف هذه الواقعة فهي تكشف عن طيب ودماثة خُلُق الرسول العربي وتسامحه، وعن مزايدة ومكابرة لدى البعض من ذوي الطموح الساعي الى الرئاسة والسيادة والأثرة.
إسلام لا يشبه الإسلام
يسعى اليوم أصحاب نهج الردة الى تغيير صورة الإسلام الحقيقية، عبر العبث بالعقائد والفرائض، عن طريق المباشرة بعملية سلخ «النص» عن سياقاته، التاريخية والاجتماعية والسياسية، ويتمظهر هذا السعي في التركيز على التوسع في التفسير، بغية إفقاد النص لمقاصده الأصلية، ولا يقتصر الأمر في هذا المجال على العمل على تعزيز مشهدية الإسلام وطقوسيته، وإنما يتعداه الى ما هو أخطر من ذلك، فالعمل جارٍ على تحوير مصادر التشريع الأصلية كالقرآن والسنّة، والفرعية المتمثلة، بالإجماع والقياس والاجتهاد والاستحسان والمثل المرسل.
نظرة الى المستقبل
في النظر الى المستقبل تبرز في الأفق العربي المسدود، ومضة أمل مثلى تتجلى بإيمان أكثرية العرب مسلمين ومسيحيين، بضرورة الإبقاء على الحياة المشتركة، التي لن تؤثر فيها ممارسات أقلية موتورة، طاولت جرائمها أرواح المسلمين المسالمين قبل غيرهم، وفي هذا السياق تعظم الحاجة الى تكرار التجربة الأموية الرائدة، التي أعفت المسيحيين العرب من الجزية مقابل ولائهم لعروبتهم التي لم ينل منها الإسلام، وفي هذا المجال يتوجب علينا تكريس أجواء الاختلاف ضمن الوحدة، وتعزيز الحوار المشترك وقيم الاعتراف الواقعي المتبادل، وتغليب المساواة عبر اعتماد نظرية «التمييز الإيجابي»، التي تنبذ ما يباعد، والتي تمكن المسيحيين العرب من القبض على أعنّة مصيرهم وعلى تحقيق مواطنيتهم وتمايزهم الحضاري، الذي أعطى لهذا الفضاء المشرقي التعددي، قيمته الفعلية.