فيلم تنقصه اللمسة الهيتشكوكية
اليوم وزير الداخلية زياد بارود في دمشق، على رأس وفد امني تلبية لدعوة رسمية، في اطار اعادة تطبيع العلاقات، التي رسمت خطوطها في لقاء الرئيسين ميشال سليمان وبشار الاسد في آب الماضي.
وربما فاجأ موقف وزراء الاكثرية بعدم التحفظ على الزيارة وبرنامجها، بعض غلاة المعارضين الذين تمنوا لو ان ذلك حصل، لكن الاكثرويين، وعلى رأسهم النائب سعد الحريري، الذي اعطى الضوء الاخضر من موسكو، ادركوا مسبقا، ومن المقدمات السياسية والامنية التي وضعت للزيارة، بانه مهما سعروا نار الموقد، فالطبخة بحص..
ويتذكر احد هؤلاء القاعدة التصعيدية المزمنة التي لطالما اعتمدت مع كل اتصال او حوار برغبة لبنانية او حتى سورية، لغاية معروفة، وهي فرض بنود طارئة واضافية على جدول اعمال اللقاء او الزيارة، لشد الاهتمام او الانتباه عن الجدول الاساسي، لتنتهي المهمة وكأننا يا (زياد) لا رحنا ولا جينا..
ومثالا على ذلك، التفجير الارهابي الذي وقع ضد الحافلة العسكرية في طرابلس صبيحة زيارة الرئيس سليمان الى دمشق، وقد يقول قائل ان التفجير ثبت افتعاله من جانب تنظيم (فتح الاسلام) الذي اظهرت التطورات انه بات في الصف المعادي للسياسة السورية الراهنة، لكن ماذا عن تزامن توجيه الدعوة للوزير بارود مع رصد تحركات مريبة في مخيم البداوي، وبالتالي الدخول على خط تسخين العلاقة بين شطري فتح في لبنان، بين ممثل المنظمة عباس زكي وامين سر فتح سلطان ابو العينين؟ الى ان وصلنا اخيرا، وعشية اتمام الزيارة، الى تكرار مسرحية هسام هسام الشهيرة، بشخصية وفاء شاكر العبسي، واخرين، بدا دورهم محصورا بترداد ما استظهروا من اتهامات ضد تيار المستقبل، بنوع خاص..
ولكن هل يمكن للوزير بارود الخبير في القوانين.. ان يتجنب هذا (الطعم) التلفزيوني، عبر الاحتفاظ، او المحافظة على بنود جدول اعماله دون الاستدراج الى المواضيع المفروضة والتي تمكن معالجتها على المستويات القضائية بين البلدين؟
فالوزير ابراهيم النجار يتحدث عن ثلاث اتفاقيات امنية بين سوريا ولبنان، ويتساءل عن اسباب عدم تحريكها من خلال التنسيق المفترض.
والمتابعون للزيارة يراهنون على عودة الوزير بارود من اول زيارة لوزير داخلية لبناني الى دمشق منذ اواخر 2004، بلائحة تكشف مصير المفقودين والمعتقلين اللبنانيين، الذين يصر ذووهم على القول بأنهم في سوريا. اذ من غير المناسب، عودته من مهمته الرسمية الاولى بخفي حنين.
كما ان هناك فريقا لبنانيا عريضا، يأمل ان يعطى لوزير الداخلية اللبنانية، وكذلك لوزير الدفاع المدرج اسمه على جدول الزيارات الرسمية الى سوريا ما يدعم تنفيذ احد اهم بنود الحوار اللبناني الاول، وهو نزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، والذي هو في الواقع، فلسطيني بالاسم وحسب!
فهل سيتسنى للوزير بارود ادراج هاتين المسألتين، اضافة الى المسائل الاخرى الملحة كالحدود وتهريب الاشخاص والبضائع على جدول اعمال الزيارة المقررة اليوم، من دون الاكتفاء بموضوع التنسيق الامني الذي هو بيت القصيد السوري في المرحلة الراهنة؟
ان بعض قوى 8 اذار التي لا تشارك 14 في الكثير من مواقفها، اشاحت النظر عن الاتهامات التلفزيونية مشككة بصدقيتها هي الاخرى..
ومثار التشكيك ليس شكل الاتهامات ومضمونها وحسب، بل ايضا مردود هذا (الفيلم)، السلبي على المسار الجديد الذي رسمه الرئيسان سليمان والاسد للعلاقات في آب الماضي.
ولا احد يسقط من اعتباره ان تكون ثمة جهات اصولية ارهابية متورطة في تفجير دمشق، في ضوء توقع ظهور موجة اصولية من العراقيين العرب، (على وزن الافغان العرب) ممن ارتدوا على الانظمة التي اطلقتهم، بيد ان استعجال اظهار الاشخاص الذين ادلوا باعترافات، عبر التلفزيون السوري الرسمي، كان لافتا للغاية من حيث خروج السلطة الامنية السورية المتزمتة تقليديا، عن نمطها البعيد عن التسرع، مما سمح للمشككين، اكان في (تيار المستقبل) او غيره، بالمجاهرة في ارائهم، خصوصا وان حدثين كبيرين وقعا في دمشق مؤخرا، وهما اغتيال القيادي في حزب الله عماد مغنية واغتيال المستشار الامني المباشر للرئيس الاسد العميد محمد سلمان. ولم يكشف حتى اليوم اي تفصيل بشأنهما…
وواضح ان توقيت اطلاق هذه الاتهامات حمل بعض قوى 14 اذار على الرد عبر ربط هذه الاتهامات باستحقاقين داهمين: تقرير رئيس لجنة التحقيق الدولية المنتظر خلال اسابيع، والتنسيق الامني كمدخل لتطبيع العلاقات بين البلدين.
لكن هذه القوى حصرت ردود فعلها ضمن اطار ضيق، تجنبا للدخول في سجالات مع دمشق وحلفائها في لبنان، لغاية قطع الطريق على رغبة ما، بخلق واقع جديد او نقاش سياسي لا طائل منه، يهدف الى حرف النقاشات الرسمية عن خطها المرسوم في جلسات الحوار الوطني اللبناني، او على مستوى السلطة التنفيذية، خصوصا وان القناعة باتت تامة على الصعيدين الرسمي والسياسي، بأن ما جرى (فيلم مركب) باخراج تعوزه اللمسة (الهيتشكوكية) كما قال مصدر بمستوى معرفة ما يقول…
لكن هذا المصدر مرتاح الى جانب محدد من الصورة، وهو الجانب المتعلق بالمجموعات الاصولية المنتشرة في بعض المناطق، والذين ما ان شاهدوا اخوانهم على الساحة السورية، وقد اصبحوا بلا لحى، حتى بدأوا يبلون ذقونهم…
ومرة اخرى يصدق القول: رب ضارة نافعة…