بين خطاب الأسد الإيجابي ومضاعفات الاتهامات لفريق الغالبية
الزيارات لدمشق تختبر انطباق التعهّدات على التنفيذ
تشكل زيارة وزير الداخلية زياد بارود لدمشق من أجل البحث في احتمالات التنسيق والتعاون في الشؤون الامنية بين البلدين تطورا مهما في مسار العلاقات بين لبنان وسوريا منذ ثلاثة أعوام، وتشكل ايضا مؤشرا الى أمرين يفترض تلمس نتائجهما في وقت قريب: الاول مدى صدقية سوريا في هذا التعاون، وما اذا كانت ستطرح شروطا ومطالب على ما اتبعت في ضبط الحدود مع العراق خلال الاعوام الماضية، وهل تريد العودة الى التدخل في شؤون لبنان السياسية والامنية، وتاليا مدى تحسن الوضع الامني لا سيما على الحدود بين البلدين، واذا كان الامر سيساعد على تعاونهما على ضبط الحدود، او انه سيقتصر على الجانب اللبناني دون الجانب السوري بذرائع مختلفة.
والثاني يتعلق بمعرفة ماهية هذا التعاون وطبيعته، وهل يتعلق بمعلومات مخابراتية او باجراءات عملانية، وهل تقوم سوريا بذلك لدواعي متطلبات علاقات الجوار بينها وبين لبنان، أو لدواعي المتطلبات الدولية والغربية منها، وخصوصا ان صدقية التزام سوريا جدية التعاون الامني هي برسم الامم المتحدة التي تتابع لجانها الوضع على الحدود بين لبنان وسوريا، وكذلك غالبية الدول المهتمة بالمحافظة على استقلال لبنان والتي تطالب سوريا عبر القرارات الدولية او التقارير عنها ببت الوضع على نحو ملائم بين الجانبين اللبناني والسوري. علما ان سوريا طالبت الغرب باعطائها معدات مماثلة لما تم توفيره للبنان في بعض المناطق الحدودية معها شرطا للتجاوب مع اجراءات ضبط الحدود بين البلدين. وليس واضحا ما اذا كان التعاون او طبيعته سيتوقف لاحقا على أمور من هذا النوع.
وثمة من لفت الى ان الاعترافات المتلفزة ليست السبيل الامثل للتعاون، بل هي السبيل الى تأمين هرب الارهابيين الآخرين المفترضين او فرارهم وليس القبض عليهم، وهذا ينم عن غاية سياسية واضحة طغت على الغاية الامنية من الاعترافات، والا لكان همّ سوريا انصب على الامساك، بالتنسيق مع لبنان بالشبكة الارهابية وخلاياها كلها وليس على انذارها مسبقاً من اجل تسهيل فرارها او احتمال اثارتها مشاكل امنية.
والتساؤلات فيه ذا الاطار تنطلق من زاوية ان سوريا يمكن ان تعلن شيئاً حين ان التنفيذ على الارض يكون مختلفاً كما حصل من خلال بث التلفزيون السوري اعترافات موجهة ضد تيار "المستقبل" وبعض الدول الخليجية، وبرز هذا الاعلام حين ابدى الرئيس السوري بشار الاسد في خطابه في افتتاح الدورة الثانية للبرلمان العربي في دمشق موقفاً لافتاً نادراً بعدم جعله لبنان محوراً لحملاته السياسية وفقاً لما دأب عليه في خطبه وخلال الاعوام الاخيرة، وخصوصا بعد انسحاب قواته من لبنان، في اشارة مطمئنة للدول الغربية الى التزامه احترام سيادة لبنان. وتحدث بايجابية وباقتضاب جداً على غير عادته.
هذا الموقف للرئيس السوري معطوف على انفتاح سوري في المجال الامني، اذ تمت دعوة الوزراء المعنيين في هذا المجال اي وزيري الداخلية والدفاع في المبدأ وصودف انهما وزيران قريبان من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، بالتزامن مع اعترافات متلفزة تتهم فريقاً اساسياً في الاكثرية بتمويل الارهاب تعطي مؤشرات الى اتجاه لفت مراقبين كثراً. وهذا الاتجاه يتعلق باظهار سوريا امام المجتمع الدولي خصوصاً انها تجاوزت مشكلتها مع لبنان وتتعاطى ولبنان الرسمي ممثلاً برئيس الجمهورية في قضاياتهم المجتمع الدولي وهي المسائل الامنية والارهاب، في حين تحتفظ بالموقف العدائي من الاكثرية واي شيء لم يتغير في العمق فعلاً ولن تتعاطى مع هذه الاكثرية، اقله وفق ما ظهر حتى الآ،. وثمة من يقول انها لن تفعل قبل الانتخابات النيابية التي تراهن فيها وتدفع بقوة ووضوح في اتجاه فوز حلفائها كي يصبحوا الاكثرية المقبلة، وان يكن ينبغي الاقرار في الاطار نفسه بأن غالبية زعماء الاكثرية لا يطمئنون الى سوريا وان الجرح لا يزال كبيراً وغير ملتئم بعد.
ويلاحظ انها لم توجه بعد اي دعوة الى رئيس الحكومـــــة فؤاد السنيورة لزيارتها، علماً ان الحكومة تتصرف بقدر عال من المسؤولية وان بدء توجه المسؤولين اللبنانيين الى سوريا تباعاً، وان بدعوات، يستحضر تاريخاً سلبياً يجب الا يحصل من اسلوب التعاطي بين البلدين، اذ على لبنان ومسؤوليه الكبار ان يتولوا اخذ المبادرة لتوجيه دعوات الى المسؤولين السوريين، بناء على ملفات مهمة بين البلدين من مصلحتهما مناقشتها على نحو ثنائي. وهذا يمكن ان يحصل في لبنان، كما يحصل في سوريا، على قاعدة الندية والاحترام المتبادل ومن دون عقد وليس في اتجاه واحد فحسب على ما توحي الامور في ظواهرها حتى اليوم.