"قمبز" دمشق
خلافاً للإنطباع الأولي، يمكن الجزم بأن الفيلم "الوثائقي" الذي عرضه التلفزيون السوري لا يستهدف تيار "المستقبل" سياسياً، وأهل شمال لبنان، جغرافياً. فالهدف الأبعد المتلمس هو المسيحيون في لبنان، ووجودهم الجغرافي، لا سيما في الجبل.
يريد "مخرج الروائع" الاستخبارية السوري أن يرهب مسيحيي 14 آذار بإيهامهم ان حلفاءهم هم ممولو و"مربو" الإرهاب الأصولي وهو يستهدفهم، كما يستهدف النظام في سوريا.
ولأن "الضرب يفك اللحام"، بحسب إعتقادهم، يدور الزجل على مسامع جمهور 14 آذار بين دمشق والرابية. فيرد صاحب استراتيجية تحويل لبنان هانوي الشرق الأوسط، بالدعوة إلى رفع السرية المصرفية عن بنك البحر المتوسط، ويسبقه في السعي إلى تهشيم صورة 14 آذار كقوة لمنطق الدولة، وزيره الذي حوّل إشكالاً بين مرافقيه، من "الملائكة"، وحرس رئاسة مجلس الوزراء، كبيرة من الكبائر لا يمكنه السكوت عنها".
وعلى منطق المثل الشعبي المصري "عاوز جنازة يشبع فيها لطم"، جاءت "مقالب غوار الجديدة" كالجنازة التي يترقبها مدمن اللطم، فقد وعى انقلاب شعبيته عليه، فما كادت حلقة "غوار" الجديدة تذاع حتى انبرى إلى استكمال أهدافها مرافقاً بوقاً آخر طالب برفع الحصانة عن النائب سعد الحريري، كأن كبسة زر واحدة أطلقت الدعوتين. وفيما الملاحظة أن تلفزيون النظام السوري، ووسائل إعلامه، تخطت الموضوع بعد 24 ساعة، وتجاهله رئيسه في خطابه أمام البرلمان العربي الانتقالي (من دون إجهاض رغبته في استثماره تحت عنوان التنسيق الأمني)، فإن ما ينتظر هو سعي حثيث من حلفائه في الداخل اللبناني لتثمير الكذبة الدمشقية في الوضع السياسي الراهن.
حفلة اللطم بدأت "عالخفيف" قبل ذلك بافتعال معركة ضد "الهيئة العليا للإغاثة"، وليس "مجلس الجنوب"، أو "صندوق المهجرين"، وصولاً إلى بنك البحر المتوسط، مع ما يغضنه الأخير والهيئة من حيثيات طائفية محددة يستهدفها "اللاطم" ويمد نحيبه عند حائطها حتى المملكة العربية السعودية، غير متمايزٍ عن خطاب دمشق في ذلك كله، انتظاراً للحج إليها بعدما فاته ذلك لسنوات عديدة.
لكن الضجيج الداخلي المفتعل يغفل وقائع حواها الشريط الدمشقي. أولها: أن نظام الوصاية تطور في الإخراج الوثائقي، من دون أن يطور في السيناريو، وذلك يستخلص من "إنتاجه" الأخير مقارنة مع "إنتاجين" سابقين هما شريط "أبو عدس" الذي أطلق لتضليل التحقيق في عملية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وشريط عضوم الذي حوى "إعترافات" الدكتور توفيق الهندي والزميل حبيب يونس.
وفي باب استمرار الرداءة في السيناريو، ما حوته "اعترافات" الموقوفين من إشارات أبرزها:
– أن "معهد الفتح الإسلامي" بدأ كمركز لتخريج الإرهابيين الأصوليين، وهو في قلب دمشق، أي تحت مراقبة مخابرات اشتهرت بأن عيونها تدخل كل بيت.
– إن الحوار المسجّل بأصوات الموقوفين لم ترد فيه اي من عبارات الجهاديين، وتوصيفاتهم، بل كانت من صلب "الأدبيات" التي عرفتها شوارع بيروت ومراكز تحقيقات الردع إبان الوصاية.
– إن الشريط يطرح مشكلة التساهل اللبناني الرسمي مع السوريين الذين لا يحتاجون إلى أي ترخيص قانوني لمزاولة أي عمل في لبنان.
– إن سوريا كانت (ولا تزال) معبرا للإرهاب في إتجاهي لبنان والعراق على السواء.
– إن تسمية مصدر تمويل "فتح الاسلام" ترد على لسان الموقوفين، نقلاً عن… وعن، في محاولة إيحاء واضحة، هدفها إثارة الشك وليس تأكيد الاتهام بسند المعرفة المباشرة.
– يستنتج "المفكرون" السياسيون الذين استنجد بهم منتجو "الاعتراف"، وأولجوهم في الشريط، أن وراء المتهمين، إلى جانب 14 آذار وتيار "المستقبل"، قوى عربية وإقليمية.
– يستنتج "المفكرون" أنفسهم أن استهداف النظام، منتج الشريط، سببه وقوفه على رأس معارضي السياسة الأميركية، مع إن التجارب، منذ كمب ديفيد إلى اليوم، تسمح بالاستنتاج أن هدف "المعاندة" السورية لم يكن يوماً سوى تحسين طلب الاعتماد الذي ترجو واشنطن قبوله،من "الورقة" الأردنية إلى "الورقة" الفلسطينية، وصولاً إلى "الورقة" اللبنانية.
ليس في كل ذلك لوم أو عتب على نظام دمشق، فهو "يقاتل" (وباللبنانيين) ليحمي وجوده، بل اللوم والعتب على "عصافير" لبنان، "القفّازة"، التي تبتلع "قمبز" دمشق، بإرادتها، لتدخل إلى قفص الوصاية الذي فرت منه عندما فشلت في استرضائه، وتعود إليه اليوم على جثث شهداء الجيش اللبناني عام 1990، وشهداء كل لبنان قبل وبعد وإلى اليوم.