ما بين "الشقيقين"
اذا كان الحوار بين اللبنانيين يشكّل حاجة وطنيَّة ملحَّة ترقى في أهميتها الى درجة الحوارات الميثاقية التي رسخت الصيغة الكوسموبوليتية، فان الحوار بين بيروت ودمشق، ولو من الباب الأمني وتحت عنوانه، يصبح من الأولويات، ويندرج في منزلة الأَقربين أولى بالمعروف.
فعلى رغم كل شيء وكل ما جرى وصار، يبقى المطلوب في هذه الفترة الانتقالية أميركيّا إتاحة فرصة حقيقيّة لاطلاق حوار شامل وهادىء بين العاصمتين، لا يترك شاردة أو واردة، ولا يترك شيئاً في الملفات والقلوب مما يثير الريبة والشكوك الا ويُطرح على الطاولة.
فلعلَّ الحوار يساهم في إزالة هذا التراكم، أو هذا الجبل من الالتباسات، والسلبيّات، والأزمات المفخَّخة بين البلدين المفترض ان يكونا شقيقين… مما يساعد على نقل العلاقات الثنائية الدائمة التوتر الى خانة "الطبيعيّة".
من هنا يأتي كلام الرئيس فؤاد السنيورة في مكانه، وفي وقته، وحفراً وتنزيلاً، حين يشدّد على أهميَّة التنسيق وتفعيله بين لبنان وسوريا، وضمن الأُطر الرسميَّة المعترف بها.
بل بين الدولتين. وعَبْر الهيئات والمؤسسات الدستورية والمسؤولين المعنيين، لا عَبْر التلفزيونات والتصريحات والسجلات، ولا عَبْر "الحلفاء".
شعوب الكرة الارضية، فضلاً عن الدول الشقيقة والصديقة، والشرعيَّة الدولية ومعها المجتمع الدولي، باتت تعلم ان بين هذين "الشقيقين" ما صنع الحداد، وما لم يُصنع مثله بين أية دولتين جارتين، أو بين أيٍّ "شقيقين".
اذاً، لا بدَّ من اللقاء.
ولا بدَّ من الحوار.
ولا بدَّ من لملمة الخلافات من الشوارع ووسائل الاعلام، ونقلها الى حيث يجب ان تكون، والى حيث يناقشها مسؤولون مختصَّون من البلدين.
على هذا كان الترحيب بخطوة ايفاد وزير الداخلية زياد بارود على رأس وفد موسع لاجراء "محادثات أمنيّة أولى مع سوريا".
ليس جديداً، ولا يندرج في خانة الاكتشافات والاختراعات، القول إن كل الخلافات وكل الاشكالات وكل التوترات اللبنانيَّة السورية هي في الأصل والفصل سياسيَّة.
أو نتيجة رواسب سياسيَّة.
وإن قد تحوَّلت في تطوراتها الخطيرة معضلة أمنيَّة من الدرجة الاولى.
والمفتاح دائماً في جيب دمشق، ان لم يكن في يدها. والكرة في ملعبها. وزياد بارود في ضيافتها.
ما صنعته الأحداث والأيَّام، وما تراكم خلال السنوات الأخيرة، أعقد وأصعب من ان تحلّه التراشقات الكلاميَّة وسهام الاتهامات المتطايرة في سماء البلدين.
ليس في الميدان إلا حديدان الحوار. فلتكن زيارة وزير الداخلية للعاصمة السورية بمثابة الخطوة الاولى.