#adsense

في النظام الشمولي

حجم الخط

في النظام الشمولي

«لا يقوم وطن حيث لا يوجد قانون، لذلك فلا وطن للشعوب التي تعيش تحت نير الاستعباد إلا وطن الاحتقار من الأمم الحرة»
(سان جوست)

«هل تعرفون مَنْ أنا
مواطن يسكن في دولة قمعستان
مواطن يحلم في يوم أن يصبح في مرتبة الحيوان
مواطن يخاف أن يجلس في المقهى
لكي لا تطلع الدولة من غياهب الفنجان»
(نزار قباني)

ظاهرة الحكم الشمولي هي من منتجات القرن العشرين وهي طريقة حكم يحتكر فيها حزب واحد، أو مجموعة واحدة كل نواحي النشاط السياسي ضمن وحدة سياسية معينة. يقوم عادة الحزب الحاكم باحتكار السلطة بناء على عقيدة يتسلح بها لتقود استراتيجياته وتصبح هذه العقيدة مصدر السلطة المطلقة والحقيقة الرسمية للدولة. ولتأمين نشر واستمرار هذه العقيدة، يقوم الحزب الحاكم باحتكار كل وسائل القوة والقمع، بالإضافة إلى كل وسائل التواصل من صحافة وإذاعة وتلفزيون وحتى شتى أنواع الفنون من موسيقى ومسرح وسينما..

كما ان الأنشطة الاقتصادية والمهنية والتعليمية تصبح خاضعة بالكامل لإرادة الحكم وتنطبع بشكل قسري بالقواعد العقائدية التي ترسمها السلطة الشمولية. على هذا الأساس تختفي المبادرات الفردية لتصبح الدولة المنظم الوحيد والخالق الوحيد لكل نواحي الأنشطة الوطنية تحت شعار العقيدة الرسمية، وبالتالي تصبح كل الأخطاء التي قد ترتكب في الاقتصاد أو الاعلام أو التعليم أو غيرها بمثابة الخيانة العظمى للعقيدة الرسمية! هذا كله حسب وصف الباحث «ريموند آرون».

أما «كلود بولين» فقد صرح بأن الحكم الشمولي يضع العقول في حالة من العبودية التي تمنعها من حقها في التمرّد لدرجة تلغي حتى النيّة في العصيان. وغالباً ما يكون على رأس السلطة الشمولية زعيم ذو كاريزما خاصة تعمل أجهزة الحزب إلى وسائل الإعلام على تقديسه إلى درجة الالوهة أحياناً ويصبح الوضع حسب وصف الشاعر نزار قباني:

«حين تصير نسمة الهواء تأتي بمرسوم من السلطان
وحبة القمح التي نأكلها تأتي بمرسوم من السلطان
وقطرة الماء التي نشربها تأتي بمرسوم من السلطان
حين تصير أمة بأسرها ماشية تعلف في زريبة السلطان».

الشمولية العربية

أما في المنطقة العربية، وبعد انهيار عهد العقائد السياسية بسقوط المنظومة السوفياتية، فقد فقدت العقائد المصنّعة محلياً وتحوّلت إلى مجرد شعارات فارغة المضمون، تتغير بتغيير المراحل الداخلية والخارجية.

لذلك فقد تقمّص الشموليون العرب في واجهة من الديموقراطية، فأقيمت البرلمانات ومجالس الشعب واللجان الشعبية وحتى مجالس شيوخ، هذا بالإضافة إلى الحديث المتكرر عن دولة المؤسسات وفصل السلطات واستقلالية القضاء لخدمة شمولية مستحدثة أو الشمولية العربية المعاصرة!
فحلّت الاستفتاءات مكان الصنمية الحزبية، وصار القائد يحظى بتأييد تفوق نسبته حتى المئة بالمئة. كما تنتظم مئات المسيرات المليونية تحمل شعارات التأييد لحكمة الحاكم. ويأخذ المواطن بعد سنوات من التدجين مسألة الرقابة الذاتية على عاتقه فيصبح متخصصاً في معرفة حدوده.

أما الكارثة فهي في تحوّل الآباء إلى رقباء على أبنائهم وعلى تصرفاتهم فيصبح أي طرح للتغيير مرفوضاً عائلياً. أما وسائل الإعلام فحدث ولا حرج في مدى طواعيتها وتسابقها في خدمة السياسة الرسمية، حتى دون حاجة للسلطات للتدخل في رسم سياساتها، لتصبح الجرائد والمواقع الالكترونية والمحطات التلفزيونية الخاصة في حالة مزايدة دائمة في مديح الحاكم مع المؤسسات الرسمية.

وقد تحوّلت الإدارات فيها من مبدأ الخدمة العقائدية إلى حالة من الفساد المتمادي، وأصبح المواطن خاضعاً دون جدل لمبدأ الرشاوى..
ولكن الصفة الأكثر تلازماً مع الشمولية الحديثة فهي الرغبة العامة عند المواطنين لمغادرة البلاد والبحث عن نسمة في مكان آخر غير الوطن الأم.

الشمولية السورية

سوريا هي اليوم المثل الصارخ للأنظمة الشمولية والتي تحولت إلى كتل متراكمة من الفساد الإداري والأمني والمالي من جهة، وإلى استسلام كامل من المواطن بناء على مبدأ «النحس الذي تعرفه أحسن من الخير الذي تتعرّف عليه!».

منذ الثورة العظيمة التي أوصلت المجموعة العسكرية تحت شعارات بعثية ملتبسة، دخلت سوريا في متاهات التسلط الأمني والفوضى الإدارية وانتقلت سريعاً إلى حملة تذابح بين أركان النظام على مدى سبع سنوات، ذهب ضحيتها عشرات الآلاف من النخب العلمية والاقتصادية والسياسية وحتى العسكرية، إما قتلاً وإما سجناً أو تهجيراً.

في النهاية تمكنت المجموعة الأكثر مكراً من الاستيلاء على الحكم في حركة بهلوانية سميت «الحركة التصحيحية» وأدخلت سوريا في عهد عائلة الاسد. في هذا العهد العظيم استمرت شعارات «الوحدة والحرية والاشتراكية»، ولكنها أفرغت من كل مضامينها وتحوّل الحكم إلى عقلية اقلوية نكلت بالأكثرية وحرمتها من كل حقوقها السياسية وتركت لها بعض أبواب التجارة والأعمال الحرّة لتتلهى بها تحت رعاية السلطة. أما الإدارة فقد تكوّمت فيها طبقات الفساد من أسفلها إلى أعلى قممها، وصار الحاكم يحفظ ملفات مساعديه المفسدين والفاسدين ويسحبها عندما تسول نفس أحدهم بالمنافسة على السلطة.

وبالمحصلة تم تدجين الناس إلا قلة عنيدة أصبحت من نزلاء السجون الدائمين من أمثال «ميشال كيلو» وغيره من دعاة الحرية.
وبالطبع فقد رسم نفس النظام بعض التلاوين الإصلاحية بعيد سقوط الاتحاد السوفياتي، ولكن القبضة الأمنية بقيت هي العنصر الأساسي في إدارة الحكم، وبقيت القيادة تتمتع ببعض الهيبة المحلية والاقليمية، إلى أن أتى التغيير بمشيئة القدر سنة 2000، فتحوّل الحكم بشكل سريع من نظام شمولي إلى مافيا عائلية شمولية استولت بالإضافة إلى السلطة الأمنية على كل مقدرات البلاد الاقتصادية والمالية.

وللمحافظة على دور محوري اقليمي بعد زوال هيبة «الأب المؤسس»، امتهن هذا النظام إدارة الإرهاب وتصديره وبالتالي تمكن من ابتزاز القريب والبعيد في لعبة يسميها أتباعه في لبنان «الدور المحوري لسوريا الأسد».

وما «فتح الإسلام» وتوابعها إلا جزء من هذه السياسة التي اتقنها هذا النظام لإدارة سياساته وديبلوماسيته العقبرية. في المحصلة، قد تكون متفجرة دمشق مقطعاً من السيناريو المخابراتي السوري، أو خروجاً غير محسوب عن النص لانقلاب السحر على الساحر، ولكن العرض التلفزيوني الرديء الإخراج قد يشدّه بعض المشاهدين الغافلين، ويطلق العنان لألسنة الشتامين، ولكن حقيقة هذا النظام أصبحت مكشوفة للجميع، وما نشهده اليوم هو آخر فصول التهريجة قبل أن يسدل الستار على أحد أكثر الأنظمة ظلامية وشراً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل