#adsense

الأطماع السورية المستمرة بلبنان: إزرع الفوضى لتحصد الأرض

حجم الخط

الأطماع السورية المستمرة بلبنان
إزرع الفوضى لتحصد الأرض
الحلقة الثانية 

تاريخ التدخل السوري العملاني والميداني في اللعبة السياسة الداخلية اللبنانية لم يبدأ في العام 1975. في الواقع حاولت سوريا منذ الإستقلال اللعب على التناقضات الداخلية في لبنان واعتمدت ذلك سبيلاً لزرع الفوضى تمهيداً لحصد الأرض بعد أن تكون مكونات الدولة قد استُنفدت. وللوصول الى غايتها هذه، شرعت تحرّض فئات لبنانية عديدة على الدولة في مرحلة أولى ومن ثم عملت في مرحلة ثانية على استغلال القضية الفلسطينية، فشجعت الفلسطينيين وسلحتهم وقوّتهم على الدولة الى أن حصل انفجار العام 1975 الذي مكنها من استباحة الدولة اللبنانية.

هذا التدخل بدأ مع تسلم حسني الزعيم الحكم في 30 آذار 1949 إثر اطاحة الجيش السوري بحكومة دولته الدستورية. فسرعان ما بادر الزعيم بعد نجاح انقلابه الى دعوة زعماء المعارضة في لبنان لزيارة دمشق. وعندما التقاهم أعرب عن استعداده لتزويدهم بالسلاح لإطاحة الحكم اللبناني.

وأرسل إليهم في ما بعد وفوداً ليحضهم على ذلك إلا أن هؤلاء لم يكوُنوا في هذا الوارد. إنما يبدو أن انقلاب الزعيم ووعوده شجعا الحزب السوري القومي على الإقتداء به خصوصاً أن الزعيم كان قد وعد أنطون سعادة بالعتاد والرجال وأهداه مسدساً فضياً حتى اقتنع الأخير بذلك. إلا أن الزعيم عاد وسلّم سعادة الى السلطة اللبنانية بعد لجوئه الى سوريا إثر اكتشاف الدولة لمخططه الإنقلابي. ولعلّه فعل ذلك لأن غطرسة الزعماء السوريين وهدفهم النهائي بضم لبنان يدفعهم الى التصرف بمنطق عدم وجود حليف لبناني لسوريا بل مجرد أدوات ترميها ما أن تصبح عبئاً عليها. (يؤكد تاريخ العلاقات السورية مع الحلفاء اللبنانيين المفترضين ان ما من واحد من هؤلاء إلا وتلقّى منها ضربة عسكرية بطريقة او بأخرى طوعته من خلالها وحولته بعدها الى تابع.)

وعندما اغتيل الرئيس رياض الصلح في عمّان على يد قوميين سوريين في 16 تموز 1951، أفادت معلومات متقاطعة أن أديب الشيشكلي رئيس الجمهورية السورية كان على علم بالمؤامرة ضد الصلح لا بل أنه بارك اغتياله في الواقع.

وتوالت المؤامرات السورية. ففي ليل 7/8 أيار 1958 اغتيل الصحافي نسيب المتني صاحب جريدة التليغراف الواسعة الإنتشار في تلك الأيام. واتهم الموالون للرئيس شمعون الدوائر الأمنية السورية بقتله ، لا بل إن الرئيس سامي الصلح أشار في كتابه "إحتكم الى التاريخ" على أن هذا الأمر هو حقيقة ثابتة. وقد هدف السوريون من هذا الإغتيال الى التحريض على شمعون خصوصاً أن المتني كان قد قضى عقوبة حبس قبل أيام من مصرعه بتهمة إهانة رئيس الدولة. وبالفعل أشعل اغتيال المتني شرارة ثورة 1958 التي كادت ان تسقط الوطن في أتون حرب اهلية.

خلال الثورة وتحديداً في 13 ايار 1958 وجهت الحكومة اللبنانية مذكرة احتجاج على الهجوم من جهة الأراضي السورية على مركز الجمارك في المصنع، وفي اليوم ذاته حمّل شارل مالك وزير الخارجية اللبناني كل من القاهرة ودمشق مسؤولية الإضطرابات في لبنان. ورفعت الحكومة شكوى بهذا الخصوص الى الجامعة العربية ومجلس الأمن.

في آخر عهد الرئيس فؤاد شهاب، في مؤتمر القمة العربي الذي عُقد في القاهرة بين 3 و 17 كانون الثاني 1964، حاولت سوريا دخول لبنان بالحيلة من باب مرابطة قواتها في لبنان لحمايته من الأخطار الإسرائيلية. رفضت الحكومة اللبنانية ذلك وطلبت عوضاً عنه الحصول على دعم مادي لتطوير قواتها المسلّحة.

وخلال مؤتمر القمة العربي الذي عقد في الإسكندرية في ايلول 1964 إضطر الرئيس حلو الى النزول عند الضغوط المصرية والسورية فوافق على مساهمة لبنان في القيادة العربية المشتركة وأصبح بين دول المواجهة بعدما كان طوال سنين يحاول الإبتعاد عن مشاكل المنطقة الساخنة. ومن يومها بدأت بروفات جعل لبنان ساحة الصراع الوحيدة. فعلى سبيل المثال، لم تشهد الجبهة السورية مع إسرائيل بين 12 آب 1965 و 30 آذار 1966 اي اشتباك عسكري. في وقت كان لبنان يشهد بين 28 و 29 تشرين الأول 1965 ثلاثين حادثة تخريب قام بها الفلسطينيون داخل إسرائيل انطلاقاً من لبنان. العمليات الفلسطينية في تلك الفترة كانت تُجرى انطلاقاً من لبنان ومن الأردن وكانت سوريا تكتفي بنشر البيانات والتباريك في صحفها الحكومية.

في مؤتمر القمة العربي الذي جرى في الدار البيضاء في ايلول 1965 طالب الرئيس حلو باقتسام عادل لثقل المأساة الفلسطينية مؤكداً ان عدد الفلسطينيين قد تضاعف منذ العام 1948. كيف تضاعف العدد بهذه السرعة؟ لقد أكدت جريدة العمل في بداية 1966 أن تعاظم عدد الفلسطينيين في لبنان مصدره المخيمات الفلسطينية في سوريا. فبتخطيط من السوريين انفسهم، دخلت جماعات فلسطينية بعثية الولاء الى لبنان من سوريا. وقد اوقفت السلطات اللبنانية في 29 كانون الثاني 1965 فلسطينياً إسمه جلال كعوش وأحبطت محاولة تسلل الى إسرائيل كان قد أعد العدة لها برفقة فلسطينيَين آخرَين. وأقرّ هؤلاء بانتمائهم الى تنظيم العاصفة البعثي السوري. ولما مات الأخير ميتة طبيعية في السجن، اتهمت السلطات السورية عبر إذاعتها الرسمية السلطات اللبنانية بقتل الفلسطيني المذكور واقامت التظاهرات المنددة بالدولة اللبنانية متهمة إياها بالعمالة لاسرائيل.

وعلى الأرجح فإن هدف سوريا من دفع اللاجئين الفلسطينيين فيها الى لبنان كان أن يشكل تعاظم عددهم فيه وسيلة ضغط على الدولة اللبنانية لتسمح بالعمل المسلح انطلاقاً من اراضيها كمقدمة لنقل الجبهات العربية كلها الى لبنان خصوصاً جبهتها لأن إسرائيل كانت قد ضربت منشآتها المائية في أيار و تموز 1966 وهددتها بالويل والثبور أن لم تضع حداً لتوغل الفدائيين من أراضيها الى إسرائيل. هذا الترجيح يصبح مؤكداً إذا ما نظرنا الى تاريخ الحروب العربية- الإسرائيلية، فالعرب خاضوا قبل العام 1975 -التاريخ المفترض لبدء الحرب اللبنانية – أربعة حروب مع إسرائيل خلال 25 عاماً. ولم يخوضوا من تاريخ بدء الحرب اللبنانية حتى يومنا هذا -أي طوال 33 سنة- أي حرب أخرى معها، مما يعني ان سوريا تحديداً (لأن دولتي الطوق الأخرتين عقدتا اتفاقيتا سلام مع إسرائيل) خططت بتروٍّ ومنذ الستينات لنقل حروبها مع إسرائيل الى لبنان لتدمر مقومات الدولةً اللبنانية ولتحصل على ورقة تفاوض لا تدفع مقابلها أي ثمن.

وبرغم ان الفريق الأول محمد فوزي القائد العام للجيوش العربية اعتبر في التقرير الذي رفعه لمجلس الدفاع العربي المشترك أن لبنان يجب أن يكون دولة مساندة لا دولة مواجهة. إلا أن سوريا عملت بعكس ذلك فباشرت منذ شتاء 1968-1969 بإرسال إمدادت الأسلحة والذخائر بانتظام الى منطقة العرقوب في جنوب شرق لبنان لإقامة قواعد للفدائيين، فشنّ الفلسطينيون 29 عملية ضد إسرائيل انطلاقاً من لبنان عام 1968 وحوالي 150 عملية عام 1969 وتزايد عدد الفلسطينيين حتى أصبح 235 الف نسمة.

في 6 ايلول 1969 عقد وزراء الخارجية العرب في القاهرة اجتماعاً بحضور وزير خارجية لبنان يوسف سالم. ولما طالب مندوب المنظمات الفلسطينية خالد الحسن بان تكون اراضي الدول العربية المحيطة بإسرائيل مجالاً طبيعياً ومفتوحاً لنشاط العمل الفدائي، من دون ان يحق لهذه الدول التدخل في شؤون الفدائيين وتحركهم من داخل أراضيها وانطلاقهم منها الى حيث يشاؤون. اعترض الوزير سالم لأن في ذلك مساساً بسيادة بلاده وسلطانها على أراضيها. وقبل أن ينهي كلامه قاطعه مصطفى السيد وزير خارجية سوريا وخاطبه بلهجة لا تنطوي على ذرة من اللياقة وقال: " يا أخ! شو إنت بدك تعمل وصي على العمل الفدائي؟".

ما هذا المنطق؟ سوريا يحق لها تقييد العمل الفلسطيني المسلح لتحمي دولتها أما لبنان فيعتبر خائناً إذا فعل ذلك!!!

في أواخر آب من نفس العام اشتبك الدرك اللبناني مع الفلسطينيين في مخيم نهر البارد فتدخل الجيش اللبناني على مقربة من الحدود مع سوريا في محاولة لقطع إمدادات الأسلحة فردت سوريا بإغلاق حدودها مع لبنان استنكاراً لما تتعرض له المقاومة فيه. (في وقتها كان الترانزيت يشكل شريان الإقتصاد الحيوي للبنان، وكان إقفال الحدود يشكل ضغطا فعليا لا يملك لبنان مواجهته). ويقولون ان التاريخ لا يعيد نفسه. اليس ذاك التصرف مطابقا لما تفعله سوريا حالياً مع لبنان.

وتتابع السيناريو. ففي العام 1970 بدأ الملك الاردني الحسين تصفية الوجود المسلح الفلسطيني في بلاده فقتل حوالي عشرة آلاف فدائي وفرّ عشرات آلاف آخرين الى سوريا. فما كان من الأخيرة الا أن فتحت دفرسواراً في حدودها وارسلتهم الى لبنان ليتابعوا المقاومة. في وقت كانت قد أقفلت حدودها مع إسرائيل أمام العمل الفدائي. ومن ثم بدأت ما بين 1971-1973 تزودهم بالمؤن والعتاد بينما كانوا يتخذون مواقعهم في منطقة العرقوب أي في فتح لاند. ومنذ العام 1972 تمركز عدد من الجنود السوريين في المخيمات على المدفعية المضادة للطائرات بصورة سرية لحمايتها من الهجمات الاسرائيلية.

وتوالى المخطط فصولاً. ففي العام 1973 كان لبنان قد أصبح ساحة العمل الفدائي الفلسطيني الوحيدة بالفعل كما كانت ترغب سوريا. وعندما اغتالت إسرائيل ثلاثة من القادة الفلسطينيين في بيروت حمِّل الجيش اللبناني مسؤولية عدم الرّد. فقام مسلحون من الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين باختطاف عسكريين لبنانيين مما ادى الى معارك عنيفة بين الجيش والفلسطينيين. وحين بدا أن الجيش مزمع على إخضاع الفلسطينيين للسلطات اللبنانية، بدأت الضغوط على لبنان من سوريا التي سارعت الى إقفال حدودها للمرة الثانية ومن ثم أرسلت قوات كومندوس لمساعدة الفلسطينيين.

أن تفرض الدولة سيادتها على لبنان معناه فشل الحلم السوري القديم الذي ما برحت سوريا تخطط له منذ 1920. بالنسبة لسوريا، كان على الفوضى أن تنتشر لتؤمن الظرف المناسب لاحتلال لبنان. وهذا الظرف بدأت ملامحه تتضح مع بدء المفاوضات إثر نهاية حرب الغفران.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل