القرار 1737 وضع حركة المصارف تحت المراقبة وتمويل الإرهاب وغيره يتم «نقداً» وفق أدلة وافدة من الرابية
الأسباب الموجبة لاسترداد شاكر العبسي.. فوراً
مع انتهاء التظاهرات في المناطق السورية، احتفاء بالقرار «الحكيم» الذي اتخذه الرئيس بشار الأسد بسحب جيشه من لبنان، كانت المخابرات السورية قد انتهت من وضع خطة خاصة بلبنان، بعد الانسحاب «المهين» منه.
تمحورت هذه الخطة حول ثلاث مسائل متلاحقة، الأولى إسكات الأصوات المناهضة للقيادة السورية، والثانية حماية النظام من ملف اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، والثالثة منع قوى الرابع عشر من آذار من بسط سلطتها على لبنان من خلال زعزعة الاستقرار، مما يعيد الاعتبار الى الدور الأمني الذي كانت تقوم به الوصاية السورية.
وما أن أطلّ حزيران من العام 2005، حتى بدأ تنفيذ هذه الخطة، ففيما كان الصحافي والمفكر سمير قصير يستشهد في سيارته المفخخة، كان الأسد يوقع مراسيم عفو لمصلحة مجموعة من المتشددين الإسلاميين اختارها فرع فلسطين في المخابرات العسكرية السورية، ومن ضمن هذه المجموعة برز اسم شاكر العبسي، الذي تمّ نقله قبل شهرين من سجن صيدنايا الى المقر الرئيسي لهذا الفرع.
وبعد خروجه من السجن «مهفهفاً» بالعفو، تمّ ربطه بمحمود كول أغاسي، ليستطيع تجنيد مجموعة إسلامية تُعطي للتنظيم المتفق عليه قبل العفو، بعداً مماثلاً لتنظيم «القاعدة». وهذه حقيقة تعرفها كل الأجهزة الأمنية اللبنانية، وكذلك أهم الأجهزة الأمنية العربية، في ظل ملفات تُظهر بوجه قاطع، أنه بدءاً، بحزيران 2005، أوهمت المخابرات السورية الوافدين من العالم الإسلامي الى دمشق للعبور منها الى العراق، بأن الطريق آمنة في اتجاه واحد: لبنان.
وكان واضحاً منذ اللحظة الأولى لدخول هذا التنظيم الى لبنان أنه يملك مالاً وافراً، مكّنه من إيجاد بيئة ملائمة لعمله، بفعل استئجار المنازل داخل مخيم نهر البارد وخارجه، والتزاوج بشروط «جاذبة»، وثمة من يجزم في هذا الإطار أن عمليات السطو التي استهدفت عدداً من المصارف اللبنانية (كان مصرف البحر المتوسط أحدها، على اعتبار أن أعمال السطو شملت مصارف أخرى)، أتت في سياق خطة مزدوجة الأهداف، أولها إيجاد تغطية لمصدر الأموال الوفيرة الموجودة معه، وثانيها بدء زعزعة الاستقرار في منطقة الشمال لخلق هوة بين السلطة المركزية المحسوبة على الأكثرية النيابية التي تعاديها سوريا علناً وبين قاعدة شعبية وفرت لقوى الرابع عشر من آذار ثمانية وعشرين نائباً من أصل ثمانية وعشرين نائباً.
ومع دخول العبسي الى لبنان، ونجاحه في اجتراح «أعجوبة الإنقلاب الأبيض» على تنظيم «فتح الانتفاضة» من دون «ضربة كف»، في بيئة يسقط فيها أكثر من قتيل بسبب شجار على كرة، لم يتحرك من لبنان، ولم تسجل حادثة أمنية واحدة في سوريا محسوبة عليه، بل إن السجلات السورية كانت تقيّد كل ما يحصل في خانة «جند الشام» أو ما شابه، ولم يخرج إسم «فتح الإسلام» الى العلن، إلا في معلومات نشرتها صحيفة «المستقبل» في العام 2006، وفيها أن هذا التنظيم الذي استقر في مخيم نهر البارد بعد عبور قيادته من دمشق، يملك لائحة اغتيال تطال 36 شخصية سياسية لبنانية مناوئة للنظام السوري (لاحقا سوف يتهم بجريمة عين علق، كما تحوم الشبهات حول تورطه بجريمة اغتيال الوزير الشهيد بيار الجميل).
وبمراجعة فيلم «الاعترافات» الذي بثه التلفزيون السوري، يظهر بوضوح أن العبسي لا علاقة له بتفجير القزاز في منطقة السيدة زينب، على أساس أن «الإمارة» انتقلت الى عبد الرحمن عوض المقيم في مخيم عين الحلوة، وهو الذي «كلّف» المجموعة بارتكاب هذه الجريمة، وتالياً يكون شاكر العبسي غير ملاحق في سوريا بهذه الجريمة أو بغيرها من الجرائم المنسوبة الى تنظيم «فتح الإسلام».
وبالإستناد الى ما ورد في هذا الفيلم الذي تسوّق له الماكينة الدعائية السورية على أنه «حقيقة منزلة »، فإن شاكر العبسي انتقل، في أثناء معارك نهر البارد الى مخيم البداوي (المعلومات الرسمية اللبنانية الموثقة بيّنت أنه كان بحماية القيادة العامة وباستضافتها)، قبل أن يعبر الى سوريا، وهناك أصبح بعهدة الأجهزة الأمنية السورية.
وبالعودة الى سجل العبسي، يظهر أنه أردني الجنسية، وأن السلطات السورية، وسط قبول ضمني من السلطات الأردنية، لم تُجبره كما تفترض القوانين المرعية الإجراء ووفق إلزامات الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب، أن يعود الى الأردن، بعد إخراجه من سجنه بعفو رئاسي، بل أبقته في دمشق لمرحلة تحضيرية بحيث كان يتنقل منها وإليها من خلال قاعدة قوسايا التابعة لتنظيمات موالية لسوريا.
أمام هذه المعطيات، يكون العبسي «المسكوت عنه» أردنياً وغير الملاحق قضائياً في سوريا، من حصة لبنان حصراً، حيث هو ملاحق بمجموعة كبرى من الجرائم بينها تفجير عين علق، واغتيال مجموعة من الضباط والعسكريين في الجيش اللبناني، والسطو المسلح على المصارف، وإدارة مواجهة دموية ضد المؤسسة العسكرية في مخيم نهر البارد.
ولأن المسألة كذلك، فإن كل كلام عن تعاون أمني لبناني- سوري لا يبدأ بتسليم العبسي الى السلطات اللبنانية يكون مجرد مدخل الى تسويق نوع جديد من الوصاية الأمنية السورية على لبنان.
ولو كان هذا الطلب على جدول أعمال وزير الداخلية والبلديات زياد بارود لدمشق، لاعتبرت زيارته المختلف على تقويمها والمسكوت عنها، بناء على إرادة رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، منتجة وذات أهمية، الأمر الذي يسحب نفسه على الزيارة المرتقبة لقائد الجيش العماد جان قهوجي ولوزير الدفاع الياس المر.
كما أن على أولئك الذين يعتبرون ما ورد في فيلم الاعترافات السورية حقيقة ثابتة (الثنائي وئام وهاب وميشال عون نموذجاً) أن يضغطوا في هذا الاتجاه، لأن التحقيق مع مسؤولي «تيار المستقبل» ورفع السرية عن مصرف لا يمكن أن يتما بناء على أقوال منقولة عن موجود مخفي ولا دليل لديهم على صدقيتها سوى ما سبق لسيمور هيرتش أن نشره، وهو كاتب أميركي يساري محسوبة معلوماته من المصادر المسؤولة عن إخفاء العبسي برعاية الوزير السابق ميشال سماحة، وهو ليس أكثر من معاون لبثينة شعبان المستشارة السياسية والإعلامية للرئيس السوري بشار الأسد.
وفي هذا السياق، لا بد من التأكيد على حقيقة عالمية، قد لا يكون أمثال عون ممن ينظّرون لاستراتيجيات دفاعية لا توصل إلا الى إفلاس الدولة وإدخال مكوناتها الأهلية بحروب داخلية، مفادها أن القرار 1737 الصادر بعد عمليات الحادي عشر من أيلول 2001، قد وضع كل المصارف وكل الحركة المالية تحت المراقبة، من أجل وضع حد لتمويل التنظيمات الإرهابية، وهذا يعني أن مصرف البحر المتوسط مكشوفة أوراقه في كل غرف المقاصة العالمية، ولا سيما منها غرفة نيويورك حيث تتم المقاصة بالدولار الأميركي.
ولعل المجموعة التي تنضوي ضمن ما يسمى المحور السوري ـ الإيراني تعرف تماماً أن تمويلها لا يتم بواسطة حوالات مصرفية، فحواجز الرابية على سبيل المثال ضبطت حركة ملايين الدولارات تصل الى «مستحقيها» نقداً.