هي استراتيجية شعب 8 آذار لمقاومة شعب 14 آذار
ميشال عون وصاحبه هيدالغو
تحاكي «إستراتيجية الشعب المقاوم»، في الشكل «الأكاديميّ» الذي اختاره لها العماد ميشال عون، «إستراتيجية الميليشيات الشعبية المساندة للثورة البوليفارية» كما وضعها وأشرف على تنفيذها الجنرال ميلفين لوبيز هيدالغو في فنزويلا منذ بضع سنوات، بتكليف من الرئيس المحبوب «من كذا مليون ممانع»، هوغو تشافيز.
يشترك الجنرالان عون وهيدالغو في المنطلقات التالية:
1 الجيش النظاميّ غير كاف لمواجهة الأخطار والتهديدات المحدقة منها أو الكامنة، وهذه الأخطار ليست من طبيعة موقتة أو عارضة، بل هي أخطار دائمة وتستوجب بالتالي حال طوارئ دائمة.
2 ينبغي بلورة أشكال من التعبئة الدائمة والإستنفار المتواصل، سواء لحماية «الثورة» في فنزويلا أو لحماية «المقاومة» في لبنان.
3 ضرورة التشكيلات المسلّحة الخارجة عن الجيش النظامي، بل المطوّعة له، لجهة «توحيد» المجتمع وتخليصه من العناصر الفاسدة والإنتهازية.
4 ضرورة هذه التشكيلات المسلّحة قبل ذلك لخوض حرب نصف المجتمع «الممانع» و«الواعي» ضد نصفه الآخر «الإستسلاميّ» و«المضلّل».
ويختلف الجنرالان عون وهيدالغو في إثنتين:
1 إن القران في فنزويلا بين النظام الأمنيّ والأيديولوجيا الشعبوية يفخر بعبارة «ميليشيات» ويسمي التشكيلات المسلحة التي يفرخها الجهاز الأمني بهذا الإسم، ويعتبر ذلك دليلاً على الحيوية والجهوزية لقمع أي تظاهرة مناوئة لحكم تشافيز، ليس من خلال شرطة «مكافحة الشغب» والهراوات والقنابل المسيّلة للدموع وخراطيم المياه وإنما من خلال «الشعب الشغّيل» نفسه الذي يمارس «الصراع الطبقي» ميدانياً، وكما يحلو له (وبالآلات الحادّة).
أما «إستراتيجية الشعب المقاوم» عند عون فتصنّف نفسها مواجهة لما سماه الجنرال في آخر طلاته الإعلامية بالـ«الشعب الميليشيوي».
2 تواجه «الميليشيات الشعبية المساندة للثورة البوليفارية» مشروعاً تقوده كولومبيا اليمينية لمكافحة الإرهاب وضرب منظمات حروب العصابات وشبكات الإتجار بالمخدرات في طول وعرض أميركا الجنوبية. ميليشيات هيدالغو غير مقتنعة أبداً بـ«نظرية مكافحة الإرهاب».
أما «إستراتيجية عون» فتجمع المجد من طرفيه: تبنّي نظرية «المقاومة الدائمة» من جهة، بل استقاء هذه النظرية من نموذجها الإيرانيّ (الباسدران والباسيج)، وتبنّي نظرية «مكافحة الإرهاب» بمصطلحات أعتى عتاة المحافظين الجدد «المخلوعين» في أميركا من جهة ثانية.
فالعماد عون يقسّم الأخطار المتربّصة بالوطن بين «داخلية أمنية» و«خارجية عسكرية» ويضع الإرهاب في مقدم الأخطار الداخلية. يقرّ بأنه «خارجي المصدر بشقيه العقائدي والتمويلي» ويضيف «لكنه يعتمد على قاعدة داخلية بصرف النظر عن حجمها وقدرتها». ثم أن الخطرين «الداخليين» الآخرين كما يحدّدهما يظهران كملحقين بالخطر الأوّل. فهو يتناول «الوجود المسلّح الفلسطيني بشقيه» من دون تمييز بين سلاح السلطة الوطنية الفلسطينية وبين سلاح التنظيمات الأخرى، فيطمس المشكلة الخاصة التي يثيرها السلاح خارج المخيمات، وهو السلاح المرتبط مباشرة بسوريا، هذا مع أن الحوار الوطني حقّق إجماعاً بشأن إزالة هذه السلاح عام 2006. أما الخطر الثالث «الداخلي» عند عون فهو «الميليشيات اللبنانية المسلّحة» والدليل عنده «الحوادث الأمنية الأخيرة والإشتباكات الجوالة». طبعاً، لما كان العماد عون يعتبر التنظيمات العسكرية للمقاومة مناقضة تماماً لمفهوم الميليشيا فإنه لا يعنيها بتاتاً بهذا الكلام، كما لا يعني التنظيمات الأمنية الحليفة لتنظيمات المقاومة الأمنية، وبالتالي هو يعيد على مسامع أهل الحوار ذاك التحريض ضد «ميليشيات 14 آذار»، مستعيداً مناخات 7 أيار، لكن هذه المرة على وقع الإدغام بين إتهام 14 آذار بإنها تفرّخ ميليشيات وبين إتهامها بأنها تتعاطى الإرهاب.
فـ«إستراتيجية الشعب المقاوم» ليست ورقة معروضة للحوار. هي في جانب ما ورقة حوار داخلي ضمن قوى 8 آذار للتوصّل إلى تعريف موحد ونهائي لعملية 7 أيار: هل كانت حركة إنتفاضية مدنيّة ضد «ميليشيات» متعاملة مع أميركا وإسرائيل، أم كانت تستهدف 14 آذار من حيث هي غطاء لعمل تنظيم القاعدة في لبنان؟!
ورقة العماد عون تعطي الأولوية للأخطار «الداخلية» على الخارجية. المقاومة أبدية لأن الداخل يسعى دائماً إلى «الخيانة». تلك هي المقاربة.
أما «الأخطار الخارجية» فإن عون حصرها في اثنين: «اسرائيل وأطماعها» و«محاولة إسرائيل نزع سلاح المقاومة للسيطرة على القرار اللبناني». يبقى أن تسويغ «عسكرة» الشعب كلّه وإبقائه على لياقة بدنية قتالية إستعداداً لأي طارئ هي فكرة غير مقنعة إذا كانت أطماع إسرائيل مرتبطة بمسألة «المياه» على ما يقوله عون، كما أنّه من المفارقة أنه يطرح نظرية توسيع إطار المقاومة بشكل غير مسبوق كلما كانت مساحة الأرض اللبنانية المحتلة تتضاءل. أما الحديث عن أن «نزع سلاح المقاومة» كمؤامرة «للسيطرة على القرار اللبناني» فيحمل مضموناً تخوينياً للفريق الآخر من اللبنانيين. الإفتراض هنا أن الفريق الآخر ما أن ينزع عنه ضغط السلاح حتى يطلق العنان للهوى الإسرائيلي.
«إستراتيجية الشعب المقاوم» هي إذاً إستراتيجية شعب 8 آذار لمقاومة شعب 14 آذار، وجعل 7 أيّار ليس فقط حدثاً تأسيسياً بل أيضاً فلسفة حياة، فلسفة تعترض على قسمة الحداثة السياسية للسكان بين مدنيين وعسكريين، وتعترض على سيادة الدولة في تقرير حال الحرب من حال السلم مفوّضة هذا الحق إلى ما سمّاه عون «السوبر مقاتل»، أي ذاك الذي يبقى دائماً على أتمّ الجهوزية لإسقاط أي طوّافة تحوم فوقه وإرداء طائر يغرّد خارج السرب.
وبعد، فقد تسرّ حركات الممانعة في العالم أجمع بـ«إستراتيجية الشعب المقاوم» وتقبل على دراستها، بوصفها محاكاة لإستراتيجية هيدالغو في فنزويلا، ولحرب الشعب الطويلة الأمد وحرب الأرياف على المدن ونظرية الشعب الشغيل المقاتل ونظرية الشعب الموزّع إلى لجان وكل ما كلف هدراً فظيعاً للدم والطاقات في تاريخ القرن العشرين.
بيد أن المشكلة تكمن في أنّ عون يريد في نفس الوقت ربط هذه «الإستراتيجية» بتراث آخر كلّف دماً وأنجب فظاعات هو الآخر في القرن الماضي، وهو تراث قوات «العاصفة» في ألمانيا الثلاثينيات.. ألمانيا النازيّة.
ليست المرة الأولى التي تتلاقح فيها حرب الغوار الشعبية على طريقة ماو وغيفارا والدعوات إلى التنظيم الفاشي للمجتمع. في نهاية السبعينات قامت «ثورة» شرق أوسطية تنهض على هذا الأساس. ثمّة من وكّل نفسه بـ«تصديرها». وثمّة من أنتهى إلى مزايدة الحدّ الأقصى لأجل «استيرادها».